تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير القرآنى للقرآن — صفحة 273

مساهمون:

ص٢٧٣
فلا نريد إلا ما نحن في حاجة إليه . . ذلك فهم يتفق مع عالم النقص الذي نحن فيه ، فتكون إرادتنا متحركة في هذا العالم حسب حاجتنا ، ساعية إلى سدّ ما نشعر به من نقص . . إننا نريد كذا ، لأجل كذا . . أما عالم الكمال ، فما يصدر عنه لا يصدر لحاجة ، وإن صدر بإرادة ومشيئة ، ولن يصدر بغير إرادة ومشيئة . . إنه يجرى مع الحكمة التي يطلبها الكمال . . مما تقدم يمكن أن نقول : أولا : إن المعتزلة قد بالغوا في رفع قيمة الإنسان ، وكادوا يجعلون منه إلها مستقلا بسلطان وجوده ، لا يلتفت إلى ما وراء وجوده في صراعه مع الحياة ، وفي تقلبه بين خيرها وشرها . ولا شك أن هذه « الانعزالية » عن العالم العلوي ، تحرم الإنسان كثيرا من أمداد الاستعانة بالخالق جلّ وعلا ، كما أنها تدفع داعية التوكل على اللّه ، والرضا بقضائه وقدره ، بعد أن ينفذ القضاء ، ويقع المقدور ، فيكون في هذا عزاء جميلا عما وقع للإنسان مما يكره ويسوء . ثانيا : أن المعتزلة في دفعهم للإنسان إلى هذا الحدّ ، قد جاروا على الإنسان نفسه ، وخلّوا بينه وبين ذاته ، وألزموه أمورا وحمّلوه أوزارا يلقى بها ربه في غير رجاء ، كما جعلوا صوالح أعماله حقّا ملزما للّه ، يطالبه به العبد في غير حياء ! وتلك حال يدخل فيها الضيم على الإنسان من كل وجه . . فإن أي إنسان مهما بلغ من التقوى والكمال ، ومهما قدّم من خير وبرّ ، فهو في حاجة أبدا إلى فضل اللّه ، وإنّه لن يدخل الجنة بعمله ، لأن أعماله مهما عظمت لن تفي بالقليل من بعض نعم اللّه وفضله عليه . . وفي هذا يقول الرسول الكريم . . « إنكم لن تدخلوا الجنة بأعمالكم » . . قالوا ولا أنت يا رسول اللّه ؟ قال : « ولا أنا إلّا أن يتغمّدنى اللّه برحمته »
التفسير القرآنى للقرآن — صفحة 273 | عبد الكريم الخطيب