تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير القرآنى للقرآن — صفحة 237

مساهمون:

ص٢٣٧
فهؤلاء المشركون الذين ينكرون أن ينزّل اللّه على بشر هديا من السماء يهديهم إلى الحق وإلى طريق مستقيم - هؤلاء لم يقدروا اللّه حق قدره ، ولم ينظروا إلى آثار رحمته ، فيما يسوق اللّه سبحانه إلى عباده من نعم وما يحفّهم به من ألطاف ، ينعمون فيها ، ويتمتعون بها ، فكيف ينكرون على اللّه أن يسوق إلى عقولهم وقلوبهم ، من رحماته ، ما يضئ ظلامها ويغسل أدرانها . . ؟ وفي قوله تعالى :
« قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتابَ الَّذِي جاءَ بِهِ مُوسى نُوراً وَهُدىً لِلنَّاسِ »
تحريض للمشركين أن يكونوا أهل كتاب ، مثل هؤلاء اليهود الذين كانوا يحسدونهم على أنهم أهل كتاب ، وأصحاب شريعة ، وأنهم كانوا يتمنّون قبل بعثة النبىّ أن يكون لهم كتاب سماوي ، كما يقول تعالى على لسانهم :
« لَوْ أَنَّا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْكِتابُ لَكُنَّا أَهْدى مِنْهُمْ »
( 157 : الأنعام ) أي لكنا أهدى من هؤلاء اليهود . وفي قوله تعالى :
« تَجْعَلُونَهُ قَراطِيسَ تُبْدُونَها وَتُخْفُونَ كَثِيراً »
هو إشارة من بعيد إلى اليهود ، بهذا الالتفات إليهم في هذه المناسبة ، وإرهاص بما سيلقاهم به النبىّ بعد هذا من آيات اللّه ، التي تفضح مخازيهم ، وتكشف فساد عقيدتهم . . وقد قرئ : « يجعلونه قراطيس يبدونها ويخفون كثيرا » . والقراطيس جمع قرطاس ، وهو الورقة . . إذ كان اليهود لا يتعاملون ولا يعملون بالكتاب الذي بين أيديهم ، ولا يعرضونه على الناس كما هو ، بل يعرضون منه قراطيس ، فيها ما يوافق أهواءهم ، ويخفون الكثير مما لا يشتهون . . وقوله تعالى :
« وَعُلِّمْتُمْ ما لَمْ تَعْلَمُوا أَنْتُمْ وَلا آباؤُكُمْ »
هو خطاب لهؤلاء المشركين من العرب ، فقد جاءهم الرسول الكريم بعلم جديد ، أذاعه فيهم ، ونشره عليهم ، فيما يتصل بالألوهية ؛ وما ينبغي لها من جلال وتفرد بالوجود . . وقد عرف المشركون هذا ، وكانوا يسمعونه ويردّدونه ، وإن كانوا لا يؤمنون به . .
التفسير القرآنى للقرآن — صفحة 237 | عبد الكريم الخطيب