تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير القرآنى للقرآن — صفحة 177

مساهمون:

ص١٧٧
الهلاك ، تنحلّ قوى الجسد ، وتتبخر الأهواء المتسلطة عليه ، وهنا يجد العقل سماء صافية تسطع فيها أنواره ، كما تجد الروح مجالا للحركة والعمل ، وإذا الإنسان بعقله وقد تخلص من الضباب الذي انعقد عليه ، وبروحه التي انطلقت من قيود هذا الجسد المعربد ، وإذا الإنسان هنا ، يعاين الحقيقة ، ويرى الحق ، فيؤمن ، إن كان كافرا ، ويستيقن ، إن كان مؤمنا . وهذا أشبه بحال من يعالج سكرات الموت ، فإنه يرى ما وراء المادة من شواهد الحياة الآخرة ، فيؤمن إن كان كافرا ، حيث لا ينفعه إيمانه ، ويتوب إن كان عاصيا ، حين لا تنفعه التوبة . . وفي هذا يقول اللّه سبحانه وتعالى لفرعون ، وقد آمن بعد أن أدركه الغرق ، وأشرف على الموت :
« آلْآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ »
( 91 : يونس ) ويقول سبحانه فيمن يتوب وهو في مواجهة الموت :
« وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ حَتَّى إِذا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ »
( 18 : النساء ) . وقوله :
« أَ غَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ »
هو استفهام تقريرى ، يراد به أخذ اعتراف هؤلاء المشركين باللّه . وجوابهم في تلك الحال التي يسألون فيها ، وهم في أمن عافية ، لا يذكرون معها تلك الحال التي يكونون فيها تحت قهر البلاء والشدة ، أو في مواجهة أهوال القيامة - جوابهم في تلك الحال ، لا يكون إلا جحودا للّه ، وكفرا به ، واستغناء عنه . وقوله تعالى :
« إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ »
إشارة إلى هذا الجواب الذي سيعطونه في تلك الحال ، وأنه ليس الجواب الذي يعطونه لو كانوا في مواجهة المحنة