تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير القرآنى للقرآن — صفحة 170

مساهمون:

ص١٧٠
المجتمع الضئيل من النمل ، وإلى هذه النملة التي تقوم على سياسته ، وتدبير أمره . . بل إن سليمان نفسه ، لينصرف عن حشوده تلك ، حين تلقاه النملة هذا اللقاء المثير ، وإذا هو منها بين يدي قدرة القدير ، وحكمة الحكيم ، فلا يملك إلا أن يتوجه بكيانه كله إلى اللّه ، ضارعا بالحمد والشكر :
« رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلى والِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صالِحاً تَرْضاهُ وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبادِكَ الصَّالِحِينَ »
. . وليس ببعيد أن تكون النملة - فيما رأى سليمان - ممن عدّهم من عباد اللّه الصالحين ، الذين دعا اللّه أن يلحقه بهم ، ويدخله في زمرتهم ! والهدهد ، وقصته مع سليمان ، لا تقل روعة وعجبا من قصة النملة ، فقد جاء إلى سليمان ، وهو في أبّهة ملكه ، وعظمة سلطانه ، وبين يديه ما سخّر اللّه له من الجن والإنس والطير - جاءه وهو في هذا السلطان العظيم ، ليلقاه بهذا الخبر ، وليلقى به إليه في صورة من هو أكثر منه علما ، وأكبر سلطانا ، وإن كان - فيما يظهر منه - ضئيل الشأن ، باهت القدر ، فيقول لسليمان :
« أَحَطْتُ بِما لَمْ تُحِطْ بِهِ »
! ! هكذا المتمكّن من نفسه الواثق من وجوده ، يقول قولة الحق ، في غير خوف أو تردد ! وكأن الهدهد إنما يثأر بهذا لنفسه ، وللجماعة المسخرة لسليمان ، حين توعّد الهدهد على ملأ منها بقوله :
« لَأُعَذِّبَنَّهُ عَذاباً شَدِيداً أَوْ لَأَذْبَحَنَّهُ أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطانٍ مُبِينٍ »
. . فجاءه بهذا الجواب القوىّ المبين ! ففي هذه النملة التي تمثّل الدوابّ على الأرض ، وهذا الهدهد الذي يمثل ما طار بجناحيه في السماء ، شاهدان يشهدان بأن هذه الكائنات التي تعيش معنا على هذا الكوكب الأرضي ، من دواب الأرض ، وطير السماء ، هي أمم مثل الأمة الإنسانية ، في وحدة التكوين والتنظيم ، والمشاعر ، والمدارك ،
التفسير القرآنى للقرآن — صفحة 170 | عبد الكريم الخطيب