تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير القرآنى للقرآن — صفحة 1138

مساهمون:

ص١١٣٨
هكذا أدب السماء مع الأصفياء من عباد اللّه ، وهكذا ألطاف اللّه مع رسول اللّه . ورسول اللّه خير من يلقى هذا اللطف بما هو أهل له من حمد وشكر ، وسيّد من يقوم لهذه الإشارة بما تقتضيه من جدّ وعزم . . فما وهن الرسول الكريم ، وما ضعف عن حمل الرسالة ، واحتمال ما تنوء به الجبال من أعبائها . . فلكم لقى من السفهاء ، والحمقى ، والطغاة ، من بغى وعدوان ؟ حتى لقد خرج مهاجرا من البلد الحرام ، الذي عاش فيه شبابه ، وقضى فيه أيام صباه ، بين أهله وعشيرته ، وألقى بنفسه في أحضان الغربة ، فرارا بالرسالة التي بين يديه أن يمسكها المشركون عن أن تبلغ غايتها ، وتملأ أسماع العالمين بهديها ، وتفتح مغالق القلوب بنورها . وقوله تعالى :
« وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ »
هو من تمام نعمة اللّه سبحانه وتعالى على نبيّه الكريم ، فهو - سبحانه - قد اصطفاه ليكون رسولا للعالمين ، حاملا مختتم رسالات السماء إلى الناس . . ثم لم يدعه سبحانه - يحمل أعباء الرسالة ، ويلقى الضرّ والأذى في سبيلها دون أن تكون أمداد سماوية تعينه ، وتحمل عنه بعض ما يحمل من أعباء ، وكلّا . . فقد أمده اللّه بأمداد من الصبر واليقين ، والعزم ، وإذا هو - صلوات اللّه وسلامه عليه - يواجه قريشا كلها بصلفها وكبرها ، وبجبروتها وعتوّها ، فلا يلين لها ، ولا يحفل بتهديدها ووعيدها . . ثم إذا هو - صلوات اللّه وسلامه عليه - يخوض غمرات الحرب ، ويتقدم صفوف الأبطال والفرسان ، ثم إذا هو - صلوات اللّه وسلامه عليه - يلقى كيد اليهود ومكرهم ، ملاطفا وموادعا ، حتى إذا لجّوا في الضلال ، وتمادوا في الكيد والبغي ، صدمهم صدمة ألقت بهم خارج الجزيرة العربية كلها .
التفسير القرآنى للقرآن — صفحة 1138 | عبد الكريم الخطيب