تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير القرآنى للقرآن — صفحة 1116

مساهمون:

ص١١١٦
فهؤلاء الذين يوادّون غير المؤمنين ، ويلقون بأنفسهم في أهل الكتاب ، ويوثّقون صلاتهم بهم ، إنما يفعلون هذا ليكون لهم منه شفيع عند أهل الكتاب ، إذا كان لهم الغلب يوما على المؤمنين ، فلا يصيبهم من الدائرة - وهي الهزيمة وما يلحق أصحابها من أذى - ما يصيب المؤمنين ، إذا هم أصابتهم الدائرة التي يتوقعها المنافقون لهم . وقوله تعالى :
« فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ فَيُصْبِحُوا عَلى ما أَسَرُّوا فِي أَنْفُسِهِمْ نادِمِينَ »
هو وعيد للمنافقين بما يملأ قلوبهم حسرة وندما ، إذ جاء تدبيرهم وبالا عليهم وخسرانا لهم ، حين قدّروا أن الدائرة ستدور على المؤمنين ، فأخلوا مكانهم من بينهم ، واتخذوا أهل الكتاب أولياءهم - ثم هو وعد كريم من اللّه ، يجئ بتلك البشريات المسعدة للمؤمنين ، وبأنهم هم المنتصرون ، وأن الخزي والخذلان لأعدائهم ، ولمن انضوى إليهم من منافقين . .
« فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ »
الذي يمكّن للمؤمنين من أعدائهم ، وقد جاء نصر اللّه والفتح ، ودخل الناس في دين اللّه أفواجا فدالت دولة الشرك ، وذهبت ريح النفاق والمنافقين . وقوله تعالى :
« أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ »
أي تدبير من عند اللّه ، يجئ على غير انتظار ، وعلى غير عمل من المؤمنين ، كأن يوقع الشقاق والخلاف بين أحلاف السوء ومجتمع الضلال ، فيفضح بعضهم بعضا ، ويخذل بعضهم بعضا ، فإذا أولياء الأمس أعداء اليوم ، يبرأ بعضهم من بعض . وحمل هذا الوعد الكريم من اللّه للمؤمنين على يدي فعل الرجاء « عسى » إنما ليقيم المسلمين على رجاء وأمل في رحمة اللّه بهم ، وفضله عليهم ، فتظل قلوبهم شاخصة إلى اللّه ، ذاكرة له ، ترقب غيوث رحمته ، وفواضل نعمه . . ولو جاء هذا الوعد الكريم قاطعا منجزا لما بعث في القلوب المؤمنة تلك
التفسير القرآنى للقرآن — صفحة 1116 | عبد الكريم الخطيب