تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير القرآنى للقرآن — صفحة 1110

مساهمون:

ص١١١٠
وقوله سبحانه :
« لِكُلٍّ جَعَلْنا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهاجاً »
هو بيان للحكمة في تعدد الشرائع السماوية ، وتعدد الكتب التي جاءت بها ، والرسل الذين حملوها . . إذ كان لكل أمة زمانها ومكانها ، وللزمان والمكان ، أثره في الأمم ، وفي اختلاف مناهجها في الحياة ، وأساليبها في العمل . . فكان أن حمل رسل اللّه إلى كل أمة قبسا من شريعة اللّه ، مقدورا بقدرها ، محسوبا بحسابها ، وما يلائم طبيعتها ، وظروف زمانها ومكانها . . وهي جميعها ( أي الشرائع ) تستقى من شريعة واحدة ، وتورد أتباعها على مورد من مواردها . . وفي قوله تعالى :
« شِرْعَةً »
ما يشير إلى أنها مقطع من مقاطع الشريعة العامة ، التي جاء بها القرآن الكريم ، وأن تلك الشرعة ما هي إلا مورد ترده الأمة على نهر الشريعة العامة ، فتستقى منه ، وتحمل بقدر ما تحتمل . . وفي قوله تعالى :
« وَمِنْهاجاً »
إشارة أخرى إلى اختلاف الأمم والشعوب ، وأنها لا يمكن أن ترد موردا واحدا ، على الشريعة العامة ، وأن تحشر حشرا على مورد واحد منها . . لاختلاف الطبيعة ، واللغة ، وغيرها مما يجعل لكل أمة وجهها الذي تظهر به في . الحياة ، فاقتضت حكمة الحكيم العليم أن يقيم كل أمة على مورد من شريعته . وقوله تعالى :
« وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً واحِدَةً »
أي لو أراد اللّه سبحانه أن يجعل الناس أمة واحدة ، تلتقى على مشاعر واحدة ، ولغة واحدة ، لفعل ، فما لمشيئته من معقّب ، أو معترض ، ولكنه سبحانه حكيم عليم ، اقتضت حكمته ، وشاءت إرادته أن يجعل الناس أمما وشعوبا ، كما جعلهم أفرادا ، وكما جعلهم ذكرا وأنثى . . وقوله سبحانه :
« وَلكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي ما آتاكُمْ »
أي ولكنه سبحانه وتعالى لم يجعلكم أمة واحدة ، كما لم يجعلكم كائنا واحدا ، ليكون لكل أمة حسابها ،