وهاتان الآيتان تخاطبان أتباع المسيح من أهل الكتاب ، وتكشفان لهم عن موقفهم الخاطئ منه ، وفهمهم المغلوط له . .
وقوله تعالى :
« يا أَهْلَ الْكِتابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ »
أي لا تميلوا بدينكم إلى جانب الغلوّ والمبالغة في نظرتكم إلى الأشياء ، وتقديركم لها ، والمراد بهذا هو موقف أتباع المسيح منه ، وتأليههم له ، على حين أن اليهود قد غالوا من جانب آخر فنزلوا بالمسيح إلى درجة المشعوذين ، والمجدفين على اللّه ، والواقعين تحت لعنته ! وقوله سبحانه :
« وَلا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ »
أي لا تقولوا في اللّه ، وفيما ينبغي له من صفات الكمال ، إلا الحقّ . .
وإنه ليس من الحق في شئ أن يلبس اللّه سبحانه وتعالى هذا الثوب البشرى الذي كان عليه المسيح ، وأن يولد من رحم امرأة ، ثم يساق قسرا إلى الصلب ، ثم يدفن مع الموتى !
« إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقاها إِلى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ »
فهو ( أولا ) رسول اللّه . . ورسول اللّه غير اللّه .
وهو ( ثانيا ) كلمة اللّه ألقاها إلى مريم . . وكلمة اللّه غير اللّه . . فكل شئ خلقه اللّه بكلمته « كن » فكان . . كما يقول سبحانه :
« إِنَّما قَوْلُنا لِشَيْءٍ إِذا أَرَدْناهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ »
( 40 : النحل ) وهو ( ثالثا ) روح من عند اللّه . . ونفخة منه . . كالنفخة التي كان منها آدم ، وكالروح التي كان منها الملائكة .
ومن كان هذا شأنه فهو ليس إلها . . لأنه من صنعة إله . . إذ هو مضاف إلى اللّه . . رسول اللّه . . وكلمة اللّه . . وروح من اللّه .