وعلى هذا ، فإنا نرى أن الوقوف على لفظ الجلالة في قوله تعالى :
« وَما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ »
هو وقوف لازم ، حتى يكون العلم بتأويل هذا المتشابه مقصورا على اللّه وحده ، أما الراسخون في العلم فهم والجاهلون سواء في هذا المتشابه ، لا يملكون إزاءه إلا التسليم بالعجز ، وإلا أن يقولوا :
« آمنّا به » على ما هو عليه ، لأنه هو والمحكم على سواء . .
« كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنا »
.
وهذا موقف يجب أن يتملّاه العقلاء ، وينتفع به أولو الألباب ، وذلك بقياس الغائب على الشاهد ، والبعيد على القريب ، وإحالة المتشابه على المحكم !
الآية : ( 8 ) [ سورة آلعمران ( 3 ) : آية 8 ]
رَبَّنا لا تُزِغْ قُلُوبَنا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنا وَهَبْ لَنا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ ( 8 )
التفسير : مما يقضى به العقل ، وينزل على حكمه العقلاء ، أن تكون الأحداث والمواقف دروسا نافعة ، وعبرا مثمرة ، يجتنى من ثمرها الخير ، ويدفع بها البلاء .
وقد كان في الموقف الذي وقفه أهل الزيغ والضلال والنفاق ، من المكر بآيات اللّه ، ما أركسهم في الفتنة ، وأغرقهم في الضلال ، حيث طرحوا كتاب اللّه وراء ظهورهم ، وتعلقوا بالمتشابه من آياته ، ليفتنوا الناس ويضلوهم ، بما يتأولون لهم من مقولات عمياء . . فزادهم اللّه عمى إلى عمى ، وضلالا إلى ضلال .
وإذ يرى المؤمنون هذا الموقف الذي اتخذه الزائغون ، فتقطعت بهم الأسباب ، التي كانت تصلهم بالإيمان ، والتي كان جديرا بهم - لو عقلوا -