وفي قوله :
« الَّذِي تَسائَلُونَ بِهِ »
إيقاظ لهذا الشعور الذي يسكن كيان « الإنسان » كلّ إنسان ، فيهيج فيه دواعي التطلع إلى اللّه والبحث عنه ، والمساءلة به ، فيما بينه وبين نفسه ، وفيما بينه وبين الناس ، ففي كل إنسان داع يدعوه إلى البحث عن اللّه ، والمساءلة عن ذاته وصفاته .
فالبحث عن اللّه ، والسؤال عنه ، والمساءلة به ، أمر شغل الإنسان - كل إنسان - منذ كانت الإنسانية ، ومنذ فتحت عينها على هذا الوجود ، وأدارت بصرها فيه ، وقلّبت وجهها بين السماء والأرض ، وفيما بين السماء والأرض .
فاللّه - سبحانه - يملأ على الإنسان وجوده كله ، ويطرق حواسّه كلّها ، ويخالط مشاعره ومدركاته جميعها ، فيما بثّ اللّه في هذا الوجود ، من روائع صنعته ، وآيات خلقه ، الأمر الذي لا يكون معه إنسان من الناس قادرا على الذّهول عنه ، أو التفلّت منه ، وحبس الحواس ، والمشاعر ، والمدارك ، عن الاشتغال به ، فلينظر المرء أىّ إنسان هو ؟ إن أراد أن يكون في الناس ، أو أن يكون من الناس .
« وَالْأَرْحامَ »
. . قرئ قوله تعالى :
« وَالْأَرْحامَ »
بالنّصب عطفا على قوله تعالى
« وَاتَّقُوا اللَّهَ »
بمعنى اتقوا اللّه والأرحام . .
وتقوى الأرحام هي من تقوى اللّه ، فكما أن للّه حقوقا ، ينبغي رعايتها والحرص عليها ، فكذلك الأرحام - وهم الأقارب ، ومنهم الأبوان - لهم حقوق يجب رعايتها والحرص عليها ، إذ كان لهما شأن في تربية الإنسان ورعايته . .
فهذا الواجب الذي يؤديه الإنسان لذوي رحمه ، هو وفاء لحقوق لهم عليه ، وأداء لدين أقرضوه إياه ، وقد آن أوان استقضائه منه ، حين قدر وعجزوا ، وملك ولم يملكوا .