تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير القرآنى للقرآن — صفحة 456

مساهمون:

ص٤٥٦
حسابا ، هو الحق ، والحق وحده . . سواء وافق هذا الحق واقع الناس ، وجرى مع معارفهم ومعتقداتهم ، أم جاء على طريق غير طريقهم ، وبعلم غير علمهم ! وهذا شاهد من شهود القرآن الكريم ، بأنه ليس من عمل بشر ، ولا من تدبير إنسان ، وإلا كان عليه أن يتجنب هذا الصدام الصريح مع الواقع ، الذي لا يعلم ما وراءه إلا علام الغيوب . . وإلا كان عليه أيضا - لو أنه من عمل بشر - أن يخفى ما بين يديه من حجج يستند إليها خصومه ، ويتخذون منها سلاحا يحاربونه به ، في المعركة الدائرة بينه وبينهم . وما كان لغير الحق السماوي أن يقف هذا الموقف ، إزاء أمر يشتهيه أهله وهم به جاهلون ، ويتمنّونه وهم منه وجلون . . خوفا من البهت والتكذيب . لهذا ، فإن القرآن الكريم ، إذ يقول ما يقول في عيسى وأمه مما تنكره اليهود ، وتقول بخلافه فيهما ، وإذ يقول ما يقول في عيسى ، وفي كلامه في المهد مما ينكره النصارى ، ولا يجدون عليه شاهدا مما في أيديهم من أناجيل - إن القرآن ، إذ يقول هذا ، وذاك ، إنما يقول الحق الذي غمّ على الناس أمره ، وعميت عليهم سبله ، ثم لا عليه إذا هم صدقوه وآمنوا به ، أو كذبوه وأعرضوا عنه . . فإن الحق الذي نزل به ، سيظل هكذا قائما على الدهر ، يتحدى المكابرين والمعاندين ، ويواجه أبصار المتشككين والمنحرفين ،
« فَمَنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ عَمِيَ فَعَلَيْها »
( 204 الأنعام ) . .
« وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شاءَ فَلْيَكْفُرْ »
( 29 : الكهف ) والعاقبة دائما للحق ، فإنه وإن غامت عليه سحب الضلال ، وانعقدت في سمائه ظلمات الجهل - فإنها أمور عارضة ، لا تلبث أن تزول ، وإن طال مقامها . .