2 - التعريض :
وذلك في قوله « فإنهم عدو لي إلا رب العالمين » فإنه صور المسألة في نفسه ، والعداوة مستهدفة شخصه ، كأنه يعرض بهم قائلا :
لقد فكرت في المسألة مليا وأمعنت النظر فيها طويلا فرأيت عبادتي لها عبادة للعدو الذي يتربص به الدوائر للايقاع ، فإذا بلغ المرء من الاسفاف مدى يحب فيه عدوا ويؤثره بالعبادة فذلك هو الارتطام في مزالق الغيّ ومهاوي الضلال ، وقد يبلغ التعريض للمنصوح ما لا يبلغه التصريح لأنه يلفت انتباهه ويسترعي أنظاره فيتأمل فيه فربما قاده التأمل إلى التقبل ، ومنه ما يحكى عن الشافعي : أن رجلا واجهه بشيء فقال له : لو كنت بحيث أنت لاحتجت إلى أدب .
3 - أسرار حروف العطف :
وهنا موضع دقيق المسلك لطيف المرمى قلما ينتبه إليه أحد أو بتفطن إليه كاتب ، فإن أكثر الناس يضعون حروف العطف في غير مواضعها فيجعلون ما ينبغي أن يجر ب « على » ب « في » في حروف الجر ، كما أنهم يعطفون دون أن يتفطنوا إلى سر الحرف الذي عطف به الكلام فقد قال تعالى « والذي هو يطعمني ويسقين ، وإذا مرضت فهو يشفين ، والذي يميتني ثم يحيين » فالأول عطفه بالواو التي هي لمطلق الجمع وتقديم الإطعام على الإسقاء ، والإسقاء على الإطعام جائز لولا مراعاة حسن النظم ، ثم عطف الثاني بالفاء لأن الشفاء يعقب المرض بلا زمان خال من أحدهما ، ثم عطف الثالث بثم لأن الإحياء يكون بعد الموت بزمان ولهذا جيء في عطفه بثم التي هي للتراخي . وهذا من الأسرار التي يجدر بالكاتب الإلمام بها حتى يقيس عليها ويعطف على كل بما يناسبه ويقع موقع السداد منه .