تخطي إلى المحتوى الرئيسي

من وحي القرآن — صفحة 452

مساهمون:

ص٤٥٢
يتباعدان عن بعضهما البعض ابتعاد الوثنية المادية عن التوحيدية الإلهية الروحية ، في الفكر والشعور والحركة والمنطلق والموقف . فالإنسان الذي يعبد اللَّه هو الإنسان الذي يتطلع إلى اللَّه خالق الكون كله ، الذي يسبّح كل شيء بحمده ، ولكن لا تفقهون تسبيحهم ، والذي يتحرك الخلق كله في نعمه وفي تدبيره ، ليكون وجوده الواعي تجسيدا لطاعته ، وحركة من أجل الحصول على رضاه ، فهو الإنسان المسؤول أمام اللَّه في كل شيء ، مما يجعله يدقق في الصغير والكبير ليتعرف مواقع طاعة اللَّه ومعصيته فيهما ، لأنه يراقب مسألة المصير عندما يقوم الناس لرب العالمين ليحاسبهم على عملهم من خير أو شرّ . وهو الإنسان الذي ينطلق في علاقاته بالناس من خلال الصلة التي تربطهم باللَّه ، ليوالي من والى اللَّه ، وليعادي من عاداه ، ولذا فإنه لا ينطلق من الدوافع الذاتية ، بل من المواقف الإيمانية المنفتحة على الناس من خلال اللَّه رب العالمين . وهكذا تختصر الحياة كلها لديه كلمة واحدة ، هي الإيمان باللَّه والاستقامة على خطه المستقيم . أمّا الإنسان الذي يعبد الأوثان ، فهو الذي يبقى خاضعا للزوايا الضيّقة التي تتمحور حول هذا الحجر أو ذاك ، في ما لا يملك لنفسه نفعا ولا ضرّا ولا حياة ولا موتا ، ولذلك فإنه لا يملك رحابة الأفق ، وروحانية الروح ، وحيوية الفكر ، بل يبقى مشدودا للتقاليد ، بعيدا عما إذا كانت نافعة أو ضارّة ، أو حقّا أو باطلا ، فليست الحقيقة هي التي تشده للإيمان ، بل هو التاريخ الميت في تاريخ الآباء والأجداد ، وهو الإنسان الجامد الذي لا يريد أن يتحرك فكره بالحوار ، ليغيّر قناعاته الخاطئة من خلال ذلك ، كما أن علاقاته وأوضاعه خاضعة لمطامعه وشهواته وأنانياته لا للمصلحة الإنسانية العليا ، ولا للقيمة الروحية الكبيرة . وبذلك كان إنسان الهوى الذي يتخذ إلهه هواه ، وإنسان العبث واللعب واللهو الذي يرى الحياة فرصة لذلك كله ، ثم تنفجر كمثل الفقاعة التي لا تترك وراءها شيئا ، ولا تستقبل أمامها أيّ شيء .