تخطي إلى المحتوى الرئيسي

من وحي القرآن — صفحة 387

مساهمون:

ص٣٨٧

جزاء العمل العابث اللّاهي

وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوازِينُهُ
وهو الذي عاش الحياة عبثا ولهوا واستغراقا في شهواته ولذاته ، وإخلادا إلى الأرض في كل أوضاعها المادية ، فلم يرتفع إلى مواقع السموّ في آفاق الروح ، ولم ينفتح على اللَّه في آفاق المسؤولية ، فلم يحصل على أيّ عمل مسؤول يحقّق له رضى اللَّه ، وإذا كان له هناك من عمل ، من هذا القبيل ، فهو عمل خفيف ، على الهامش الصغير من حياته ، ولذلك ، فإنه لا يملك أيّ وزن للقيمة في ميزان التقويم الأخروي عند اللَّه سبحانه ، وهذا هو الذي يجعل الجزاء في صورة العمل .
فَأُمُّهُ هاوِيَةٌ
والأمّ هي الحضن الذي يأوي إليه الولد ويرجع إليه ، وقد استعيرت الكلمة للداخل إلى النار التي عبّر عنها بالهاوية ، باعتبار أنه يهوي ويسقط إلى أسفل سافلين ، كما كانت هي مرجعه ومأواه .
وَما أَدْراكَ ما هِيَهْ
فإذا كانت الكلمة غامضة في مدلولها التطبيقي بحيث تدفع إلى التساؤل المثير ، أو تبتعد عن الوحي الذاتي للإنسان لطبيعتها ليكون بحاجة إلى التوضيح والتفسير ، فإن الآية التالية توضّحها ، فلا تترك هناك أيّ التباس حولها
نارٌ حامِيَةٌ
أي شديدة الحرارة ، بحيث تحرق الذين يدخلونها في كل ما يتحرك فيها ، أو ينطلق منها من اللهيب المشتعل .

الإنسان بين خياري الجنة والنار

وهكذا تضع السورة الإنسان أمام الطريق الذي يؤدي إلى الجنة ، إذا آمن وعمل صالحا ، ليستعدّ لذلك قبل أن تفوته الفرصة بانتهاء عمره ، وأمام الطريق الذي يؤدي به إلى النار ، ليبتعد عنها ، قبل أن تطبق عليه الأجواء التي تحيط به ، في ما يثيره أهل الكفر والضلال من حوله ، وليعيش في عمق الذهنية
من وحي القرآن — صفحة 387 | السيد محمد حسين فضل الله