فيحرّكها ويثيرها ويدفعها إلى أن تأخذ بأسباب العيش في شتّى جوانبه ومواقعه ، ليكفل لها الاستمرار إلى نهايتها الطبيعية .
وَاللَّيْلِ إِذا يَغْشاها
تماما كما هو الغشاء الذي يستر ما تحته ، فلا تبصر منه شيئا ، ليوحي بغشاء ينساب إلى العيون كمثل الخدر ، فيمنحها نعمة النوم التي تمنح الجسد نعمة الراحة والاسترخاء ، ويغرق كله في نوم شامل ، وهدوء وديع ، إلّا ما كان دوره التحرك في الليل ، والاسترخاء في النهار ، مما كانت شروط عيشه ونشاطه لا تتوفر إلا في الظلام ، في ما يعطيه من أمن وحرّية في الحركة .
وَالسَّماءِ وَما بَناها
و « ما » هنا مصدرية ، أي وبنائها . هذه التي نتملّاها في إيحاء بالرهبة والروعة والجلال ، وفي انفتاح على صورة مهيبة للكون الذي يختفي وراءها ويحمل الكثير من الأسرار ، وفي الإشراقات الهادئة المتناثرة في أرجائها ، كمثل حبّات النور الكبيرة والصغيرة ، في مشاهدها البعيدة ، التي قد تفتح في كل حبّة منها ، في مشاهدها القريبة ، أكوانا هائلة ، قد تصغر صورة الأرض أمامها ، وكل ذلك الكون الهائل الواسع ، من دون عمد ، فما أعجب ذلك في خلق اللّه .
وَالْأَرْضِ وَما طَحاها
أي دحاها وبسطها ومهدها للحياة ، في ما أودع فيها من الخصائص والعناصر التي تكفل الامتداد في ما تضمنه من الشروط الضرورية لاستمرار الكائن الحيّ التي أشار اللّه في كتابه إلى بعضها في قوله تعالى :
أَخْرَجَ مِنْها ماءَها وَمَرْعاها * وَالْجِبالَ أَرْساها * مَتاعاً لَكُمْ وَلِأَنْعامِكُمْ
[ النازعات : 31 - 33 ] .
وَنَفْسٍ وَما سَوَّاها
والمراد بها الذات الإنسانية التي سوّاها اللّه في أحسن تقويم ، وركّب فيها من خصائص العقل والإدراك والشعور ، ما تملك من خلاله الانفتاح على وسائل المعرفة والهداية في الحياة .