في أجواء السورة
وهذه سورة مكية ، تطل على أجواء القسم بمكة التي عاش فيها النبي صلى اللَّه عليه وآله وسلّم ، وبوالد وما ولد ، وتؤكد على أن الإنسان خلق في مكابدة ومشقة وجهد وتعب ، وأريد له أن يستمر في كدحه ليحقق لنفسه الدور الحيويّ الذي أعده اللَّه له في بناء الحياة على أساس الرسالات ، فعليه أن يدرس دوره وقدرته ولا يطغى في نفسه ليتصوّر نفسه بالقدرة التي لا يقدر عليه فيها أحد ، وعليه أن لا يبتعد عن القيام بمسؤوليته في البذل ليحتج بأنه لا يملك شيئا فيقول :
أَهْلَكْتُ مالًا لُبَداً
، فيكفيني ما أنفقت ، فلا أستطيع أن أنفق أكثر ، ولكنّ عين اللَّه تراه وتعرف موارد إنفاقه ،
أَ يَحْسَبُ أَنْ لَنْ يَقْدِرَ عَلَيْهِ أَحَدٌ
فلما ذا يغفل عن اللَّه وينسى فضله عليه ، فيبخل بما أنعم به عليه ، فمن أعطاه العينين اللتين يبصر بهما ، واللسان والشفتين التي ينطق بها ، ومن هداه إلى طريق الخير والشّرّ ؟
أليس اللَّه هو الذي أعطاه ذلك كله ، كما أعطاه غيره ؟ ! فهل يعرف العقبة التي تحول بينه وبين رضى اللَّه ودخول الجنة ، فعليه أن يقتحمها ويتجاوزها وينتصر على نوازع البخل في نفسه ، ليعمل على عتق الرقبة ، وإطعام الجائعين في أوقات الشدّة ، واليتيم القريب ، والمسكين المسحوق ، فذلك هو الذي يقرّبه إلى اللَّه ، بالإضافة إلى أن يكون من المجتمع الذي يتواصى أفراده بالصبر والرحمة ، ليكون من أصحاب اليمين . أمّا الكافرون فهم أصحاب المشأمة وسيلاقون العذاب في النار التي تغلق أبوابها عليهم إلى الأبد .