ولكنه اليوم يقف ليضحي بزوجته وأخيه وعشيرته ليسلم من عذاب هذا اليوم ، فأيّ عذاب هو هذا العذاب ؟ وأيّ موقف هو هذا الموقف الذي تتعطل فيه كل المشاعر والعلاقات والأوضاع الإنسانية في حياة هذا الإنسان الذي تلاحقه جريمته في وعيه ، تماما كما هو الوحش الذي يريد افتراسه ؟ ! ولن يكتفي بهؤلاء ، بل تتعاظم المسألة عنده حتى يفكر بأن يضحي بكل من في الأرض
وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً
بجميع طبقاتهم وأشكالهم ودرجاتهم لأن نفسه هي كل شيء عنده
ثُمَّ يُنْجِيهِ
من هذا العذاب .
النار تدعو إليها من أدبر وتولّى
كَلَّا
فلا مجال لكل هذه التمنيات لأن اللّه لن يجعل أحدا فداء لأحد ، فعلى كل شخص أن يتحمّل مسؤولية نفسه ، فلا يحملها عنه غيره . فإذا عاش الإنسان في الدنيا عالم الجريمة باختياره الواعي المتمرد على اللّه ، فلا بد من أن يواجه في الآخرة عالم النار الذي يحتويه بكل ما فيه من خصائص الإحراق .
إِنَّها لَظى
هذه التي تواجهكم وتلاحقكم بلهيبها المحرق ،
نَزَّاعَةً لِلشَّوى
وقيل : إن الشوى جمع شواة وهي جلدة الرأس التي تنزعها النار وتفصلها عن الرأس ، وقيل : إنها الأطراف ، فيكون المعنى : إنها تنزع الأطراف وتقتلعها من مكانها لتعاد من جديد ،
تَدْعُوا مَنْ أَدْبَرَ وَتَوَلَّى
عن اللّه وعن رسله وكتبه واتبع شيطانه الذي يضله ويدعوه إلى عذاب السعير ،
وَجَمَعَ فَأَوْعى
من هؤلاء الذين جمعوا المال واستغرقوا فيه ، فلم يكن لهم أيّ همّ في الحياة إلّا أن يجمعوه من حلال أو حرام ، ليملئوا به أوعيتهم المعدّة لذلك ، من دون أن يتحسسوا مسئوليتهم في مصادره وفي موارده ، وليتحول ذلك عندهم إلى حالة معقّدة من الطغيان الذي يمتد بهم إلى الكفر بالحق الذي يأتيهم على لسان الرسل ، ويدفعهم إلى الضغط على أصحابه والعمل على إضلال الناس الذين يؤمنون