تخطي إلى المحتوى الرئيسي

من وحي القرآن — صفحة 98

مساهمون:

ص٩٨

تقطّع العلاقات وموت المشاعر الحميمة يوم القيامة

وتتضح الصورة أكثر ، وتتصاعد خطورة الموقف ، وتتجمد المشاعر فلا ينبض فيها أيّ إحساس بالعلاقة الإنسانية التي تشد الناس إلى أقربائهم وإلى أزواجهم وإلى الناس كلهم ، بل يتحول الوجدان من الحالة الإيجابية المشدودة إلى القريب أو الزوج أو الصاحب ، إلى حالة سلبية رافضة قد تشبه الحالة العدوانية عندما يضحى الإنسان بكل هؤلاء ، ليفتدي بهم نفسه في مواجهة اللهيب الذي يتصاعد من النار التي تريد أن تأكل كل شيء .
يُبَصَّرُونَهُمْ
بتشديد الصاد وفتحها ، من بصّرته الشيء إذا أوضحته له ، أي يعرف كل واحد من هؤلاء الأصدقاء الحميمين صاحبه ، فيعرض عنه لا من موقع الجهل والنسيان ، بل من موقع الرعب والذهول والاستغراق في الخوف على الذات في ما يترقبه من المصير الأسود في عذاب جهنم .
يَوَدُّ الْمُجْرِمُ لَوْ يَفْتَدِي مِنْ عَذابِ يَوْمِئِذٍ بِبَنِيهِ
الذين كان يبذل النفس والنفيس في سبيل سلامتهم وراحتهم ، فيجوع ليشبعوا ، ويتعب ليرتاحوا ، ويظمأ ليرتووا ، ويخاف ليأمنوا . وهكذا كان يشقى ليسعدوا ، ولكنه الآن يسقط أمام الشعور المجنون بالخوف ، ليفكر بأن يقدّمهم ضحية للنار ، أو ليكونوا فداء عنه ،
وَصاحِبَتِهِ
التي كان يعيش معها كل العلاقات الروحية والحسية في مشاعر الحب العميق الحميم الذي يمثل وحدة الكيان في معنى الزوجيّة ، وعمق المودّة والرحمة ،
وَأَخِيهِ
الذي كان عضده وساعده ، مما كان يدفعه في كثير من الحالات إلى الدفاع عنه إلى مستوى التضحية ،
وَفَصِيلَتِهِ الَّتِي تُؤْوِيهِ
وهي عشيرته التي كان يعيش مسؤولية الدفاع عنها كما تعيش مسؤولية الدفاع عنه ، من خلال العصبية القائمة على المشاعر الحميمة والمصالح المشتركة .
من وحي القرآن — صفحة 98 | السيد محمد حسين فضل الله