تخطي إلى المحتوى الرئيسي

من وحي القرآن — صفحة 210

مساهمون:

ص٢١٠

التوراة . . . ومثل الحمار

وإذا كانت القضية في بعث الرسل هي أن يتعلم الناس الكتاب والحكمة ، ويطهروا أنفسهم ويزكّوها ، ليحصلوا على الطاقة الروحية التي تمنحهم امتدادا في جانب العمل ، فقد جاءت هذه الآية لتثير أمام المسلمين مسألة اليهود الذين أرسل اللّه إليهم التوراة التي بلّغهم إيّاها موسى وعلمهم مضامينها ومفاهيمها ، ولكنهم وضعوها في حياتهم كواجهة قومية في ما أرادوا أن يتحركوا فيه من ذهنية عنصرية لا ترتبط بالجانب الفكري والروحي للتوراة في مضمونها العملي ، بل ترتبط بها من الجانب التاريخي الذي يقدمها كتراث قومي لامكان للإنسانية الأخرى فيه . وهكذا أطلق اللّه هذا المثل ليقدمه للمسلمين الذين قد يتحولون إلى ما يشبه الوضع اليهودي في الأخذ بالقرآن شكلا لا مضمونا ، كما قد يأخذون به في صفته القومية باعتبار أنه جاء باللسان العربي على يد رسول عربي ليقول لهم إن مثلهم سيكون كمثل اليهود ، لأن العمق في القضيتين واحد ، هذا من جهة . ومن جهة أخرى ، فإن الآية قد تلاحظ كمقدمة للخطاب التالي لليهود ، في ما يدعونه لأنفسهم من ميزة التفوق على بقية الناس في قربهم من اللّه ،
مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْراةَ
وتعلموها وفهموا مضامينها ،
ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوها
فلم يحولوها إلى مشروع عملي للتغيير الداخلي ، وخطة متحركة لتحويل الواقع من واقع خاضع للفساد والانحراف إلى واقع منطلق مع الصلاح والاستقامة ، ليكونوا قريبين إلى اللّه من خلال العمل بأوامره ونواهيه ، في ما تأمرهم به التوراة أو تنهاهم عنه . وهكذا كان مثلهم في عدم الانتفاع بها
كَمَثَلِ الْحِمارِ يَحْمِلُ أَسْفاراً