تخطي إلى المحتوى الرئيسي

من وحي القرآن — صفحة 134

مساهمون:

ص١٣٤
وهكذا يريد اللّه أن يوجه اهتمام الإنسان إلى هذا القرآن ليقرأه ويتدبره ويعيش مع مفاهيمه المتحركة في مضمون آياته ، ليرى فيها ربه ، ويتعرف إلى نفسه وإلى الحياة من حوله ، ويعي دوره الكبير في خلافة اللّه في الأرض ، فلا ينظر إليه ككتاب تتحرك فيه الكلمات حسب المعاني اللغوية في كتب اللغة ، بل يعيش معانيه من خلال الآفاق التي تنطلق إليها الروح في عمق الإيمان ، فكان المثل الذي يوضح الصورة هو السبيل إلى إيجاد التأثير العميق الذي يمكن للقرآن أن يتركه في وجدان الإنسان الروحي .
لَوْ أَنْزَلْنا هذَا الْقُرْآنَ
بما فيه من عبر وعظات ووصايا ونصائح ، ومفاهيم وأحكام ، وترغيب وترهيب ، وتعداد لمواقع عظمة اللّه في الكون ، ولامتداد قدرته في خلقه ، وهيمنته على الأمر كله ،
عَلى جَبَلٍ
بكل ما يمثله الجبل من جمود الإحساس لغياب الحياة في داخله ، ومن صلابة الصخر في صخوره القاسية ، ومن ضخامة الحجم الذي يطل به على الأفق الواسع ليحجب الكثير منه في امتداد النظر ، مما لا تستطيع الرياح أن تهز جبروته ، ولا الزلازل أن تسقط قمته ، ولكن هناك شيئا يختلف عن عصف الرياح وخطورة الزلازل ، يمكن أن يصدعه فيتشقق ، ويثير الإحساس فيه فيخشع ، وهو القرآن النازل من اللّه عليه لو قدر أن ينزله اللّه عليه كما أنزله على الإنسان ،
لَرَأَيْتَهُ خاشِعاً مُتَصَدِّعاً مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ
لأن طبيعة معانيه تؤثر في العمق منه ، بالرغم من الصلابة والضخامة والجمود الذاتي فيه ، وإذا كانت هذه هي الحال مع الجبل ، فكيف يجب أن يتمثله الإنسان المملوء وعيا وشعورا في انفعاله به في ما يعيشه من خشية اللّه ،
وَتِلْكَ الْأَمْثالُ نَضْرِبُها لِلنَّاسِ
في ما يستهدفه القرآن من أسلوب الأمثال الذي يعني تشبيه الأشياء ببعضها البعض ، لإيضاح الفكرة ،
لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ
ليكتشفوا من خلال الفكر شيئا جديدا في المعرفة ، وأفقا واسعا في وعي العقل والشعور .