تخطي إلى المحتوى الرئيسي

من وحي القرآن — صفحة 99

مساهمون:

ص٩٩
إيحاءات تتناسب مع صفاء العمق الروحي للشخصية النبوية ، ولعل الأقرب إلى الجوّ أن نستوحي من المغفرة معنى الرضوان والمحبة والرحمة ، باعتبار أنها تمثل نتائج المغفرة ، ليكون المعنى ، هو أن اللّه يمنحك رضوانه ومحبته ، في ما يوحي به من معنى إيجابي يستلزم انتفاء المعنى السلبي ، باعتبار أن الفتح ، في ما يمثله ، هو الانطلاقة التي تفتح للإسلام باب الحياة الواسع الذي يدلّ الناس على الطريق إلى اللّه . وقد جاهد النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم أقسى الجهاد حتى وصل إلى هذه النتيجة بتوفيق اللّه ورعايته ، ومن هنا كان ذلك سببا في محبة اللّه له التي تشمل أوّل الجهاد قبل الفتح وآخره بعد الفتح .
وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ
بوصول النبي إلى الأرض التي بدأت حياته فيها طفلا وشابا وانطلق بالدعوة فيها كهلا ، وخرج منها تحت تأثير القهر والاضطهاد ، فإذا به ، بعد تلك المعاناة ، يرجع إليها فاتحا بالرسالة المنفتحة على الواقع كله ، حيث يبدأ عهد جديد حافل بالازدهار ، ليكون الدين كله للّه وحده ، وليكون نصره نهاية طبيعية لجهاده تتم به النعمة عليه ،
وَيَهْدِيَكَ صِراطاً مُسْتَقِيماً
، وهو الصراط الذي يبدأ بتوحيد اللّه ، ويمتد بشريعته التي تجعل الإنسان مسؤولا في كل أقواله وأفعاله ، ولينتهي بين يدي اللّه في اليوم الآخر إبان موقف الحساب . وهذا هو الهدف الذي تحركت المسيرة إليه ، وهذا ما هدى اللّه النبي إليه في وحيه ليعيش الهداية في حركته مع الناس الذين جعلهم اللّه حركة مسئوليته ،
وَيَنْصُرَكَ اللَّهُ نَصْراً عَزِيزاً
يؤكد القوّة التي تنحني أمامها كل مواقع التحدي الموجهة ضدك ، حيث يبسط الإسلام سلطته ليكون هو القوّة الوحيدة في الجزيرة ، التي تخضع لها القوة كلها هناك . وهكذا كان الفتح المعنوي في الحديبية ، ثم الواقعي في مكة ، مفتاحا للرضوان وللنعمة التامة ، وللهداية الكاملة ، وللنصر العزيز الذي يمتد بالإسلام إلى الحياة كلها .
من وحي القرآن — صفحة 99 | السيد محمد حسين فضل الله