تخطي إلى المحتوى الرئيسي

من وحي القرآن — صفحة 317

مساهمون:

ص٣١٧
غفلة الإنسان الذي قد يتصور أن اللّه مشغول عن حسابه بشؤون الدنيا ومن فيها ، مما يجعله في أمن منه . . . من هنا جاءت الآية للإيحاء بجوّ الخطورة والهول الشديد ليخاطب اللّه الثقلين بأنه سيتفرغ لهما ، وهو القادر القاهر فوق عباده ، ليشعروا بالخطر الداهم الذي يواجههم في الدار الآخرة ، ليستعدوا له بالإيمان والعمل الصالح .
فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ
عندما تواجهون هذا الجوّ المفتوح على كل عوالم الغيب في آفاق المسؤولية ، لتتعرفوا عظمة اللّه في ذلك كله ؟ !
يا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا مِنْ أَقْطارِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ
لتنطلقوا إلى خارج ملكه ، بعيدا عن سلطته وتدبيره ، وعن مواقع قوّته ، في ما قد يخيل إليكم من امتلاك قوّة مستقلة عن اللّه ، ولكن الكون كله ملكه ، فلا تملكون النفاذ منه إلى أيِّ مكان خارج ملكه ، فإذا خيِّل إليكم - في حالة الغفلة وغيبوبتها - أنكم قادرون على النفاذ إلى خارج السماوات والأرض ، بعيدا عن ملك اللّه وقدرته ، فجربوا ذلك بما لديكم من وسائل القدرة ،
فَانْفُذُوا
فما ذا تجدون أمامكم ؟ إنها حقيقة الضعف المطلق الذي يمثله وجودكم ، وحقيقة الشمول المطلق لسيطرة اللّه على الكون كله ،
لا تَنْفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطانٍ
. فما هو هذا السلطان ، فيما هي القدرة ، وفيما هي طبيعة الوجود ؟ ! حاول البعض تفسير كلمة السلطان بالعلم عند صعود الإنسان إلى القمر ، على أساس أن هذا الحدث أثبت إمكانية نفاذ الإنسان إلى خارج نطاق الأرض ، وأن الآية لا تنفي إمكان ذلك ، بل تربطه بالسلطان الذي يمثل القوّة التي تفتح كل المواقع العصية المستعصية . . وبذلك يكون هذا الاختراق الإنساني للأرض منطلقا من إمساك الإنسان بزمام قوّة العلم . ولكن هذا التوهُّم ناشئ من عدم التدقيق في فهم جوّ الآية التي تريد أن تؤكد شمولية ملك اللّه للسموات والأرض ، وعدم قدرة الإنسان على النفاذ منهما إلى أفق آخر خارج ملكه وقدرته ، أمَّا استثناء السلطان ، فإن الظاهر أن سياقه سياق التحدي في عدم وجود قدرة على ذلك ، مع ملاحظة أن الحديث