تخطي إلى المحتوى الرئيسي

من وحي القرآن — صفحة 224

مساهمون:

ص٢٢٤

وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ

ما هو المضمون الروحي لوجود المخلوقات الحية العاقلة من جنّ وإنس في الأرض ؟ وما هي غاية الخلق ودور تلك الغاية العملي في حياة المخلوقات ؟ وما هو المدلول الفلسفي للغاية من الوجود انطلاقا من مضمون التوحيد المرتبط باللّه ؟ هذه هي الأسئلة التي يتناولها مضمون الحديث في هذه الآيات ، فالآية الأولى تحدد المضمون الروحي بالعبادة للّه ، فقد خلق اللّه الجن والإنس ليعبدوه ، كما أن الآية الثانية تنفي حاجة اللّه إلى مخلوقاته ، سواء في الرزق أو في الطعام ، باعتبارهما الرمز المادي للحاجة ، أما الآية الثالثة ، فتؤكد حاجة العباد إليه كونه مصدر الرزق الوحيد والقوّة القاهرة .
وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ
فالعبادة هي الغاية من الخلق ، ولكن كيف نتصور مدلول تلك الغاية ؟ بادئ ذي بدء ، قد يبدو لنا أن في ذات الخالق حاجة تحكم عملية الخلق ، فإذا كان الأمر كذلك ، فكيف نتصور حاجة كهذه في اللّه سبحانه الغني عن عباده وعن كل مخلوقاته ، لا سيّما وأن مسألة العبادة لا معنى لها سوى إرضاء نزعة الكبرياء في النفس التي ترتاح لخضوع الآخرين لها ، وهذا ما لا معنى له في الذات الإلهية التي لا تحتاج إلى وجود العابدين ، فكيف تحتاج إلى عبادتهم ، لأنهم لا يمثلون شيئا في مسألة الوجود ، كما أنه أمر مستحيل فيما هو الكمال الذاتي والغنى المطلق في ذات الباري عز وجل ؟ ! ولعلّ الجواب الأوفق بالخطّ التوحيدي والكمال المطلق للّه الذي يوحي بالغنى المطلق في ذاته ، أن يقال : إنّ الغاية هنا ، ليست معنى قائما في ذات الخالق ، بل هي أمر متصل بالدور الذي يراد للمخلوق القيام به ، بالمستوى الذي ترتفع به حياته عن العبثية ، فلم يخلق اللّه الجن والإنس ليعيشوا اللهو