تخطي إلى المحتوى الرئيسي

من وحي القرآن — صفحة 281

مساهمون:

ص٢٨١
السبيل إلى اليقين
بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ يَلْعَبُونَ
فليس هذا الشك الذي يتردد في صدورهم ويتجمد في عقولهم هو شك الباحثين عن الحقيقة ، الذين يرسمون علامات الاستفهام ويلاحقون الاحتمالات الطائرة أمامها ، بل هو شك من يلعبون بالأفكار فيواجهونها مواجهة العبث واللامبالاة ، ولا يتوقفون أمام دقائقها ، ولا ينفتحون على حقائقها ، ويلعبون بالكلمات التي يحركونها في مواقع اللهو واللعب ، فلا يدققون في مضمون ما يسمعونه من نداء الرسالات ، أو ما يتكلمون به في مواجهة الرسل . . وماذا تنتظر من هؤلاء الذين لا يقفون أمام الحجة ، ولا ينطلقون منها
فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّماءُ بِدُخانٍ مُبِينٍ
انتظر اليوم الذي يمتلئ الجو فيه دخانا ، وذلك بسبب المجاعة التي يتحوّل فيها الإحساس بالجوع إلى حالة يبصر فيها الإنسان الفضاء كما لو كان مملوءا بالدخان - كما في بعض التفاسير - أو بسبب الدخان الحقيقي الذي يأتي قبيل حدوث الساعة - كما في بعض آخر - وربما كان الوجه الثاني أقرب إلى سياق الآية ومفرداتها ، لأنها تتحدث عن دخان آت من جانب السماء ، كحقيقة ملموسة ، لا كحالة وهميّة تخيلها للإنسان إحساساته الأليمة . ولكننا نجد ما يؤيّد التفسير الأول ، الذي تدعمه بعض الروايات التي تتحدث عن مجاعة ابتلي بها أهل مكة ، فإنهم لما أصروا على كفرهم وأذاهم للنبي صلّى اللَّه عليه وآله وسلّم والمؤمنين به ، دعا عليهم النبي صلّى اللَّه عليه وآله وسلّم « فقال : اللهم سنين كسني يوسف ، فأجدبت الأرض ، فأصابت قريشا المجاعة ، وكان الرجل لما به من الجوع يرى بينه وبين السماء كالدخان ، وأكلوا الميتة والعظام ، وجاءوا إلى النبي صلّى اللَّه عليه وآله وسلّم وقالوا : يا محمد جئت تأمر بصلة الرحم . . وقومك قد هلكوا ، فسأل اللَّه تعالى لهم الخصب والسعة ، فكشف عنهم ثم عادوا إلى الكفر » « 1 »
يَغْشَى النَّاسَ
ويخيّم عليهم ويحيط بهم ،
هذا عَذابٌ أَلِيمٌ
يرونه قادما
هامش
( 1 ) مجمع البيان ، ج : 9 ، ص : 94 .
من وحي القرآن — صفحة 281 | السيد محمد حسين فضل الله