تخطي إلى المحتوى الرئيسي

من وحي القرآن — صفحة 195

مساهمون:

ص١٩٥
إشكال عليه في ذلك لأنه قد أخذ بحقه ، حتى لو استخدم وسيلة محرّمة في ذاتها كالغيبة فإن حرمتها ترتفع بذلك .
إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ وَيَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ
فهؤلاء هم الذين يؤاخذهم اللَّه بأفعالهم وأقوالهم الظالمة في ما يتصل بإفساد حياة الناس ، وبما يحركونه فيها من قوانين الطغيان ووسائله وأوضاعه . . وبما يثيرونه في وجدان الناس من تهاويل الخوف والقلق ، وبما يجترحونه بحق الناس من قتل وجرح وتدمير
أُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ
جزاء بما كانوا يفعلون ، وإذا كان اللَّه قد فرض عليهم العذاب في الآخرة فقد أراد من عباده المؤمنين أن يواجهوهم بكل وسائل الرفض والقهر والإذلال ، أو يحاصروهم بكل أدوات الحصار وأن يبتعدوا عنهم ، ولا يركنوا إلى كل مشاريعهم وأوضاعهم وتوجيهاتهم ، والعمل على إزالة الظلم من الوجود ، وتدمير البغي في حياة الناس ، بتدمير الظالمين في مواقع قوتهم ، بكل ما يملك المؤمنون من قوّة . وإذا كان اللَّه قد أعطى الأجر من عنده للصابرين الغافرين لمن أساء إليهم في مواضع العفو التي يرضاها اللَّه ، مما لا يسيء إلى الرسالة والحياة ، فإنه قد أكد من خلال ذلك القيمة الروحية التي تمثل عنصر قوّة في الإنسان ، لا عنصر ضعف ، كما قد يتصوره البعض من دلالات القوّة ، في ممارسة رد الفعل ، ودلالات الضعف في الامتناع عنه . . وهذا هو قول اللَّه تعالى :
وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ
لأن ذلك ارتفاع بالموقف عن النوازع الذاتية التي تحركها العوامل الغريزية . . عندما يقف الإنسان ليواجه الضغط النفسي القاسي المشبع بالألم وبطلب السيطرة على النفس ، فينتصر عليها بقوّة الإرادة الواعية ، وموقف الفكر القويّ . وهذا ما يريد القرآن أن يعمّقه في وعي الفكر الأخلاقي في اعتبار الصبر قيمة أخلاقية تتصل بالعزم والإرادة القويّة . . مما يوحي بالمعنى الإيجابي للحياة الإنسانية لا بالمعنى السلبي ، الأمر الذي يجعل الدعوة إلى الالتزام به ، التزاما بالجانب القويّ من حركة الإنسان في الحياة .
من وحي القرآن — صفحة 195 | السيد محمد حسين فضل الله