أستخدمها برعايتك وبرضاك وبقوتك ، لأستطيع من خلالها الامتداد في سلطة الإيمان المستمدة منك في نطاق هذا الملك ، بما لا يملك أحد أن يقهرني به ، بينما أستطيع قهر الآخرين به ممن لا يستجيب لدعوتك ولا يعمل في خط رضاك .
وهذا الملك الذي يطلبه سليمان ، لا ينطلق من حالة ذاتية تتطلب تغذية العنصر الأناني في شخصيته ، أو تقوية التحرك العدواني في سلطته ، لأن روحيته في طلبه هذا ، هي روحية المؤمن الرسالي الذي يرجع إلى اللَّه ويخضع له ويستغفره وينفتح عليه ، ويرجوه في كل رغباته مما لا يبتعد عن رضاه . وفي ضوء ذلك ، فإن تحديده الملك بأنه لا ينبغي لأحد من بعده ، لا يتحرك في دائرة منع غيره من مثله ، بل في نطاق تميزه بخصوصية نوعيّة تشتمل على الخوارق المعجزة ، مما يوحي بكرامة اللَّه له ، وعنايته به ، بما يميّز اللَّه به بعض عباده على بعض .
فَسَخَّرْنا لَهُ الرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخاءً
أي تتحرك بإرادته واختياره بسهولة ولين من دون أيّة مشكلة ، وذلك على سبيل الكناية في التعبير عن مطاوعتها له وانقيادها لرغبته في كل مشاريعه المتحركة في التنقل من مكان إلى مكان بسرعة ،
حَيْثُ أَصابَ
أي حيث أراد مما يقصده ويريد الوصول إليه من أهداف ، لذا فلا منافاة بين هذه الكلمة في توصيف الريح بالرخاء وبين التعبير عن الريح بأنها عاصفة في قوله تعالى :
وَلِسُلَيْمانَ الرِّيحَ عاصِفَةً تَجْرِي بِأَمْرِهِ
[ الأنبياء : 81 ] ، لأن التعبيرين واردان على سبيل الكناية ، إذ يراد من الرخاء الانقياد ، ومن العاصفة السرعة ، واللَّه العالم .
وَالشَّياطِينَ
التي سخرها اللَّه له لخدمة مشاريعه العمرانية
كُلَّ بَنَّاءٍ
ممن يعملون له ما يشاء من محاريب وتماثيل وقدور كالجواب ، كما جاء في آية أخرى ،
وَغَوَّاصٍ
في مشاريعه الاقتصادية حيث يستخرجون من البحر