تخطي إلى المحتوى الرئيسي

من وحي القرآن — صفحة 279

مساهمون:

ص٢٧٩
أمام اللّه بأن يقابله بالشكر المتحرك في خط توجيه النعمة في طاعته ، لا في معصيته ، على الخط الذي عبر عنه الإمام علي عليه السّلام بقوله : « أقلّ ما يلزمكم للّه أن لا تستعينوا بنعمه على معاصيه » « 1 » . وكان لهذا الحدث تأثير مباشر على نفسية موسى عليه السّلام في حركته الأمنية في المجتمع ، حذرا من الأجواء العدوانية الفرعونية ضدّه .
فَأَصْبَحَ فِي الْمَدِينَةِ خائِفاً يَتَرَقَّبُ
الشرّ من خلال ثأر قوم القبطي لقتيلهم ، وهنا كانت المفاجأة التي تنتظره لخوض تجربة جديدة مماثلة للتجربة الماضية ،
فَإِذَا الَّذِي اسْتَنْصَرَهُ بِالْأَمْسِ
من قومه
يَسْتَصْرِخُهُ
لينتصر له في معركة جديدة مع شخص آخر من الأقباط ، في نداء استغاثة مؤثّر . . . ولم يستجب موسى له ، فقد استوعب التجربة السابقة ، واحتوى نتائجها في فكره وشعوره ، فقد لا يكون المستغيث دائما مظلوما ، بل قد يكون صاحب مشاكل يتحرك في عملية الإثارة للنزاع والخلاف على أساس حدّة طبعه ، أو رغبته في العدوان ، فكيف يمكن له أن يستجيب له ؟ ! وإذا كان موسى قد اندفع سابقا للانتصار له ، فليس ذلك من موقع الانتصار للقريب ، بل من موقع الاعتقاد بأنه مظلوم من قبل القبطي انطلاقا من دراسة طبيعة الأشياء في موازين الضعف والقوة . ولكن المسألة الآن هي أن صاحبه يدخل في خلاف جديد ، مما يوحي بأنه رجل يتعمد المشاكسة مع الآخرين ، وقد يكون انتصار موسى له أغراه في ذلك .
قالَ لَهُ مُوسى إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ
فإنك لا تسلك طريق الرشد الذي يفرض على الإنسان أن يحلّ الأمور بالتي هي أحسن ، بعيدا عن العنف ، أو أن يبتعد عن الدخول في القضايا التي تثير الخلاف من حوله ،
فَلَمَّا أَنْ أَرادَ أَنْ يَبْطِشَ بِالَّذِي هُوَ عَدُوٌّ لَهُما
ليدفعه عن صاحبه ، لينهي المعركة بسلام أو ليواجه عدوانه بطريق القوّة ، بعد أن امتنع عن الابتعاد عنه ،
قالَ يا مُوسى أَ تُرِيدُ أَنْ تَقْتُلَنِي كَما قَتَلْتَ نَفْساً بِالْأَمْسِ إِنْ تُرِيدُ إِلَّا أَنْ تَكُونَ جَبَّاراً فِي الْأَرْضِ
هامش
( 1 ) نهج البلاغة والمعجم المفهرس لألفاظه ، قصار الحكم / 330 ، ص : 402 .
من وحي القرآن — صفحة 279 | السيد محمد حسين فضل الله