أعماله بين يدي اللّه حتى التي لا تمثل انحرافا عن أوامره ونواهيه ، بل تمثل نوعا من الخطأ الأخلاقي المبرّر بطريقة ما ، ليحصل على لمسة الرحمة الإلهية العاقبة بالحنان والعطف ، فيبلغ - من خلال عصمته له - الكمال في سلوكه ، والتوازن في أخلاقه ، مما يجعل من المغفرة لطفا في توازن الشخصية لا عفوا عن ذنب . وهكذا كان اللطف الإلهي بموسى عليه السّلام في ما يعلمه اللّه من حاله في ظرفه الواقعي مما يحقق له الكثير من العذر في حساب المسؤولية ،
فَغَفَرَ لَهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ
الذي تتحرك مغفرته من عمق رحمته لتفيض على الإنسان الراجع إليه بكل خير وإحسان .
ربّ لن أكون ظهيرا للمجرمين
قالَ رَبِّ بِما أَنْعَمْتَ عَلَيَّ فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيراً لِلْمُجْرِمِينَ
وكان موسى في الأجواء الروحية التي يستلهم فيها روحانية الإيمان في ابتهاله للّه ، وفي انفتاحه على نعمه وألطافه ، وفي إحساسه بالحاجة إلى عفوه ورحمته ، وشعوره بأن اللّه قريب منه ومن حياته في آلامه وآماله . . ويتعاظم في نفسه الحب للّه ، في ما يفيض عليه من النعم الوافرة لديه .
وهكذا أراد أن يعبّر عن شكره للّه على ذلك كله بطريقة عملية ، فإذا كان اللّه قد أنعم عليه بالقوة ، فلن يجعل القوّة في نصرة المجرمين الذين أجرموا في حق اللّه وحق عباده بالكفر والضلال والطغيان ، وإذا كان قد أنعم عليه بالعلم فليجعله في خدمة المستضعفين لا في خدمة المستكبرين . فتوجه إلى اللّه بأنه يعاهده بأن لا يكون ظهيرا للمجرمين بسبب ما أنعم اللّه عليه من كل نعمه الظاهرة والباطنة ، وبذلك كان الإيحاء الروحي للنعمة أنها تمثل مسؤولية العبد