وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسابَهُ
وتلك هي المفاجأة الكبرى التي لم يحسب لها حسابا ، لأنه لم يكن يؤمن بأن هناك حياة تنتظره بعد الموت ، وأن هناك حسابا يواجهه بتاريخ أعماله في الدنيا ، وأنه سيقف بين يدي اللّه وقفة العبد الحائر الخائف ليوفيه حسابه على ما أسلف من الكفر ومن العمل المرتكز عليه ،
وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسابِ
فلا تعجزه كثرة العباد وكثرة الأعمال الصادرة عنهم عن اختصار الزمن الذي ينتهي به حسابهم .
وفي هذا الجوّ ورد أن الإمام أمير المؤمنين ع سئل : « كيف يحاسب اللّه الخلق على كثرتهم » ؟ فأجاب :
« كما يرزقهم على كثرتهم »
« 1 » ، لإحاطة علمه بكل شيء .
أَوْ كَظُلُماتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ
أي تتراكم أمواجه ، فيتصاعد الموج فيه
يَغْشاهُ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ
في ما يثيره ذلك من فقدان الرؤية
مِنْ فَوْقِهِ سَحابٌ
يحجب ضوء الشمس ، وبذلك يكون الجوّ مكفهرّا مدلهما لا يوحي بأية إشراقة تدل على الطريق ، أو تفتح النظر إلى الأفق ،
ظُلُماتٌ بَعْضُها فَوْقَ بَعْضٍ إِذا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَراها
، لأن الظلمات قد حجبت كل مواقع الرؤية . .
وهذا هو حال الكافرين الذين لم ينفتحوا على مواقع نور الإيمان ، لتشرق أرواحهم وعقولهم بمعرفة اللّه ، وتهتدي خطواتهم إلى طريقه ، بل غرقوا في ظلمات الكفر التي تمنعهم من إدراك أسرار الحياة الواسعة ، في ما يحيط بهم من آفاق الكون ، وفي ما تختزنه في أعماقها من دلائل وبيّنات . . .
واستغرقوا في ظلمات ذواتهم وشهواتهم وأطماعهم ، وأخلدوا إلى الأرض ، فلم يرتفعوا إلى مجالات المعرفة الفسيحة ، وكانت نفوسهم في ظلمات الفكر والروح والعمل ، ظلمات بعضها فوق بعض ، إذا تحرك في أيّ طريق نحو أيّ هدف ، فإنه لا يبصر طريقه ولا يعرف مواطئ قدمه ، لأنه لا يملك النور الإلهي
هامش
( 1 ) نهج البلاغة ، قصار الحكم ، ص : 300 .