تخطي إلى المحتوى الرئيسي

من وحي القرآن — صفحة 191

مساهمون:

ص١٩١

مناقشة مع صاحب الميزان

ولكنّ لصاحب الميزان فهما آخر للمسألة ، يتجه بها إلى اعتبار الفقرة من أدلّة التوحيد ، في مواجهة تعدد الآلهة ، فيقول : « وقوله :
وَلَعَلا بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ
محذور آخر لازم لتعدد الآلهة تتألف منه حجة أخرى على النفي ، بيانه أن التدابير الجارية في الكون مختلفة ، منها التدابير العرضية ، كالتدبيرين الجاريين في البرّ والبحر ، والتدبيرين الجاريين في الماء والنار ، ومنها التدابير الطولية التي تنقسم إلى تدبير عام كلّي حاكم وتدبير خاص جزئي محكوم ، كتدبير العالم الأرضي وتدبير النبات الذي فيه ، وكتدبير العالم السماوي وتدبير كوكب من الكواكب التي في السماء ، وكتدبير العالم المادي برمّته وتدبير نوع من الأنواع المادية . فبعض التدبير ، وهو التدبير العام الكلي ، يعلو بعضا ، بمعنى أنه بحيث لو انقطع عنه ما دونه بطل ما دونه لتقوّمه بما فوقه ، كما أنه لو لم يكن هناك عالم أرضي ، أو التدبير الذي يجري فيه بالعموم ، لم يكن عالم إنسانيّ ، ولا التدبير الذي يجري فيه بالخصوص . ولازم ذلك أن يكون الإله الذي يرجع إليه نوع عال من التدبير عاليا بالنسبة إلى الإله الذي فوّض إليه من التدبير ما هو دونه وأخصّ منه وأخسّ ، واستعلاء الإله على الإله محال . لا لأن الاستعلاء المذكور يستلزم كون الإله مغلوبا لغيره ، أو ناقصا في قدرته محتاجا في تمامه إلى غيره أو محدودا ، والمحدودية تفضي إلى التركيب ، وكل ذلك من لوازم الإمكان المنافي لوجوب وجود الإله فيلزم الخلف - كما قرره المفسرون - فإن الوثنيين لا يرون لآلهتهم من دون اللّه وجوب الوجود ، بل هي عندهم موجودات ممكنة عالية فوّض إليهم تدبير أمر ما دونها ، وهي مربوبة للّه سبحانه ، وأرباب لما دونها ، واللّه سبحانه رب الأرباب ، وإله الآلهة ، وهو الواجب الوجود بالذات وحده . بل استحالة الاستعلاء ، إنما هو لاستلزامه
من وحي القرآن — صفحة 191 | السيد محمد حسين فضل الله