تخطي إلى المحتوى الرئيسي

من وحي القرآن — صفحة 190

مساهمون:

ص١٩٠
وحدانية اللّه ونفي الشرك ، توفره حسابات العقل من جهة ، ومعطيات الواقع في النظام الكوني من جهة أخرى .
إِذاً لَذَهَبَ كُلُّ إِلهٍ بِما خَلَقَ
، لأن من خصائص التعدد وجود اختلاف في طبيعة الذات ، يجعل لكل إله نظاما يختلف عن الآخر ، مما يوحي بأن ألوهية أحدهما وربوبيته تختلف عن صاحبه ، فيستقلّ كل واحد بمنطقة من العالم يمارس فيها قدرته المطلقة ويخطط فيها النظام الذي يرتئيه ، وبذلك تنفصل طبيعة النظام الذي يحكم الكون إلى أقسام ، ويصبح لكل منطقة نظام مستقلّ لا يرتبط بالنظام الذي يحكم المنطقة الأخرى . فقد يكون للإنسان - على هذا الأساس - تدبير معين يختلف عما هو جار في تدبير الحيوان والنبات ، وهكذا عندما نواجه المخلوقات الأخرى والظواهر الطبيعيّة ، ولكن هذا يوجب التفكيك في النظام الكوني ، ومن ثم التدافع والتجاذب الذي قد يؤدي إلى الفساد ، في الوقت الذي نشاهد فيه وحدة هذا النظام وتناسق أجزائه وتوافق جوانب التدبير فيه .
وَلَعَلا بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ
قد يكون سبب ذلك هو أن تعدد السلطات يستلزم التنافس عند محاولة سيطرة كل إله على الآخر وما تفرضه طبيعة الصراع ، حيث يحاول كل منهما الاستعلاء على الآخر في ما يملكه من القدرة المطلقة ، ولكن ذلك يعني اضطراب النظام الكونيّ وفساده ، في الوقت الذي لا نجد فيه أيّ أثر لهذا الفساد في الواقع ، وبذلك تكون مسألة الاعتقاد بتعدد الآلهة جارية على طبيعة الاعتقاد العام الّذي ينظر إلى مسألة التعدد في الآلهة على طريقة التعدد في الناس ، فلا تكون الملازمة خاضعة للمعادلات العقلية ، بل تكون منسجمة مع الاستلزام العادي الناشئ من طبيعة الأشياء في حركة السطح ، لا في حركة العمق .
من وحي القرآن — صفحة 190 | السيد محمد حسين فضل الله