تخطي إلى المحتوى الرئيسي

من وحي القرآن — صفحة 147

مساهمون:

ص١٤٧
نبيا مرسلا ؟ وهل يمكن للبشر أن يصلوا إلى هذه الدرجة ؟ ! إننا لا نؤمن بذلك ، فهو ككثير من الطامحين الذين يودون الوصول إلى مواقع اجتماعية متقدّمة في مجتمعهم من خلال الإيحاء للآخرين بأن لهم صفات خاصة أودعها اللّه بهم ليسيطروا على الناس من خلالها ، فهو
يُرِيدُ أَنْ يَتَفَضَّلَ عَلَيْكُمْ
ليكون له الميزة والفضل عليكم ، فيرأس الناس من موقع النبوّة ،
وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَأَنْزَلَ مَلائِكَةً
فالملائكة أقرب إلى اللّه ، وبذلك يكونون أقرب إلى هذا المركز الخطير ، فهل يمكن أن يستبدلهم بمثل هذا الإنسان الذي لا يتميز عن الناس بأية صفة من الصفات ،
ما سَمِعْنا بِهذا فِي آبائِنَا الْأَوَّلِينَ
، وهم بالنسبة لنا المصدر الأوثق للمعلومات الدينية ، التي نلتزمها كعقيدة وسلوك ، فلم يرد منهم أيّ شيء من هذا القبيل .
إِنْ هُوَ إِلَّا رَجُلٌ بِهِ جِنَّةٌ
لأن الذي يدّعي هذا الادّعاء ، ويدعو إلى التوحيد ورفض عبادة الأصنام ، لا بد من أن يكون به مسّ من جنون ، لأنه يتحدى الناس كلهم في عقيدتهم وسلوكهم ، ويزعم لنفسه الاتصال باللّه بشكل مباشر أو غير مباشر ،
فَتَرَبَّصُوا بِهِ
أي أمهلوه واصبروا عليه حتى ينكشف أمره ،
حَتَّى حِينٍ
كي يرجع عن ذلك الجنون وإلا قتلتموه . إنه موقف مرتبك متخبط يدفعهم إلى البحث عن كلمة - أية كلمة - لمواجهة دعوة الرسول ، وهم بنتيجته يرفضون الرسالة لبشر ، ويرضون الألوهية للحجر ، وينكرون المبدأ في هوّية صاحب الرسالة ، ثم يحكمون عليه بالجنون دون أيّ دليل على ذلك ، فهم لم يروا في شخصيته أيّ خلل في رأي أو سلوك ، ولكنه المأزق الذي يعيشه أصحاب الكفر والضلال ، فيبحثون عما يؤكدون به ضلالهم حتى بالباطل . . وتلك هي قصة الناس في كل زمان ومكان ، في تنكّرهم للحق ، وإصرارهم على العناد ، دون إعمال الفكر والوجدان .