يريد اللّه لها أن تنطلق من قاعدة الخير وتتحرك في طريقه ، وتعيش في آفاقه ، كما يريد لعباده أن يأخذوا به ، وينفتحوا عليه ويعملوا من أجل تأكيده كقيمة إنسانية رسالية مسؤولة ، وذلك في أجواء اللقاء الكامل باللّه ، حتى يستلهم الإنسان روحيته في كل حال ، في أوقات الرغبة ، والرهبة ، لأن ذلك هو التعبير الحيّ عن الانشداد إلى اللّه في كل الأمور ، بحيث يشعر الإنسان بأن اللّه هو مصدر القوّة والحياة ، فليس هناك أيّ شيء ساكن أو متحرك في داخل شخصية الإنسان وفي خارجها إلّا وهو مرتبط باللّه ، محتاج إليه ، مما يوحي بالشمول في الإحساس بالعبودية المطلقة أمام اللّه . وهذا ما عاشه هؤلاء الذين يسارعون في الخيرات ،
وَيَدْعُونَنا رَغَباً وَرَهَباً
لأن الدعاء هو الأساس في التعبير عن الحاجة ، بقطع النظر عن طبيعتها ، في ما يرجوه الناس أو يخافونه ،
وَكانُوا لَنا خاشِعِينَ
في رهافة الحس الايماني في حياتهم ، وفي عمق الشعور الروحي في ذواتهم ، وفي انسحاقهم أمام عظمة اللّه ، التي يتمثلونها في أفكارهم وقلوبهم .
عيسى وأمه مريم عليه السّلام
وَالَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَها
فعاشت العفة والطهارة كأقسى ما تكون العفة ، وكأنقى ما تكون الطهارة ، مما جعلها مثلا حيا للإنسانة المؤمنة العظيمة التي عبدت اللّه فشعرت بمسؤولية العبادة في انسجامها مع حركة وجودها في الحياة ، كأفضل ما تكون الأخلاق الفردية والاجتماعية ، وبذلك كانت موضعا لكرامة اللّه ، في المعجزة الخارقة في حملها وولادتها ، وصبرها ، وقوّتها ،
فَنَفَخْنا فِيها مِنْ رُوحِنا
فحملت بعيسى عليه السّلام من دون أن يمسها بشر ،
وَجَعَلْناها وَابْنَها آيَةً لِلْعالَمِينَ
فهي نموذج المرأة الكاملة في ساحات العفة والطهارة والقوّة والإخلاص للّه سبحانه ، وابنها يمثل آية إلهيّة في ولادته وكلامه ، ويمثل حياة رسالية روحيّة رائعة ، في رسالته ، وفي الكرامات التي أجراها اللّه على يديه في حياته .