تخطي إلى المحتوى الرئيسي

من وحي القرآن — صفحة 231

مساهمون:

ص٢٣١

التفاعل الحي بين النبي والناس

وهكذا أكدت الآيات السابقة مفهوم النبوة في قاعدته الإنسانية المطلة على الغيب من خلال الوحي النازل من اللّه على البشر الذين اصطفاهم لرسالته ، من أجل أن تتفاعل النبوة بقيمها التي يجسدها النبي في حياة الناس ، في خط الدعوة التي تحول المؤمنين إلى دعاة للرسالة ، وفي خط الممارسة التي تثير فيهم رسالية الفكر والكلمة والحركة والمنهج ، لتعيش الحياة النبوية في حركة التفاعل بين النبي وقاعدته . وأثارت الكثير من الحديث حول النتائج الإيجابية والسلبية التي تتصل بالمؤمنين والكافرين ، كما حاورت الكافرين في الجوانب المتصلة بالشرك وباليوم الآخر . وجاء دور الحديث عن الأنبياء في حركة التاريخ في الدعوة وفي الواقع ، بين إجمال وتفصيل تبعا للنقاط التي يريد القرآن إثارتها في هذه السورة .
وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسى وَهارُونَ الْفُرْقانَ
وهي التوراة التي كانت أوّل كتاب سماوي شامل في العقيدة وفي الشريعة ، لتكون الفارق بين الحق والباطل ،
وَضِياءً
ينير الدرب للسالكين في حركة الفكر والحياة ،
وَذِكْراً لِلْمُتَّقِينَ
في ما يريد أن يثيره في وجدانهم الروحي من عناصر الوعي التي تبتعد بهم عن الغفلة ، أو تفتح قلوبهم على الحقيقة لتذكرهم ما قد نسوه ، لتوجههم إلى ما أغفلوه لأن هؤلاء ليسوا من النماذج الغارقة في عالم الحس ، الغائبة عن آفاق اللّه ، بل هم
الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ
لأنهم إذا لم يكونوا قد رأوه بعيونهم فقد عرفوه بقلوبهم ، وأحسوا به بوجدانهم ، وعاشوا معه في عقولهم ومشاعرهم ، وشاهدوه في كل آية من آيات عظمته ، حتى أنهم يقفون أمامه وجها لوجه ، في إحساس عظيم بحضوره في حياتهم كأقوى ما يكون الحضور ، وفي التزام كبير بالخط المستقيم الذي يؤدي إليه ، كأعمق ما يكون الالتزام في شعور بالخوف والخضوع والرهبة ، وتعبير صارخ بالعبادة