تخطي إلى المحتوى الرئيسي

من وحي القرآن — صفحة 194

مساهمون:

ص١٩٤
وَما جَعَلْناهُمْ جَسَداً لا يَأْكُلُونَ الطَّعامَ وَما كانُوا خالِدِينَ
فقد كانوا يمارسون كل خصوصيات البشر في وجودهم الجسدي المادي الذي يحتاج إلى الطعام والشراب ، فيفنى عندما يصل إلى نهايته الطبيعية كما يفنى أي جسد آخر ، من دون أية خصوصية تربطه بالخلود .
ثُمَّ صَدَقْناهُمُ الْوَعْدَ
في ما وعدنا هم به من النصر على هؤلاء المتمردين ، ومن النجاة منهم ومما يحل بهم من عذاب ،
فَأَنْجَيْناهُمْ وَمَنْ نَشاءُ
من المؤمنين الذين اتبعوهم بإحسان ، ونصروهم بقوة ، وواجهوا أهلهم بصلابة ، وتحملوا الاضطهاد بإرادة مؤمنة قوية ،
وَأَهْلَكْنَا الْمُسْرِفِينَ
الذين أسرفوا على أنفسهم وتجاوزوا حدود المعقول في ما يضمن النجاة للناس في الدنيا والآخرة ، فلم يلتزموا بالإيمان الذي قامت به الحجة عليهم من اللّه ، ولم يستجيبوا لنداء اللّه ، بل اختاروا الكفر والانحراف الذي لا يستجيب لأي موقع قوة من مصلحة الإنسان . وهكذا حقّت عليهم كلمة العذاب من اللّه ، فأهلكهم وعذبهم بمختلف ألوان العذاب في الدنيا قبل الآخرة .
لَقَدْ أَنْزَلْنا إِلَيْكُمْ كِتاباً فِيهِ ذِكْرُكُمْ
الذي يفتح قلوبكم على الحق من أوسع أبوابه ، ويرفع منزلتكم العقلية وموقعكم القيادي في الأمة ، بما يتضمنه من المعارف والعلوم ، وما يثيره من المفاهيم العامة التي تنفتح على مختلف خصوصيات الواقع المتحرك على أكثر من صعيد ، ويؤكد بذلك الدور المميز للأمة التي تعمل على تجسيده في الحكم والتشريع والمنهج والأسلوب والحركة .
أَ فَلا تَعْقِلُونَ
وتعملون على الأخذ بأسباب النمو العقلي في حركة الفكر في مفرداته العقلية وروحيته الإيمانية الإيحائية بما يختزنه من أسرار الكون ، وآفاق الغيب والتخطيط للواقع الإنساني ، في دنياه وآخرته . وهكذا نجد القرآن يثير - دائما - أمام الإنسان أهمية العقل في بناء شخصيته ، حيث يعتبر الوحي والتجربة والتفكير منطلقات إثارة وتركيز لقوته العقلية ، باعتبار أن
من وحي القرآن — صفحة 194 | السيد محمد حسين فضل الله