تخطي إلى المحتوى الرئيسي

من وحي القرآن — صفحة 116

مساهمون:

ص١١٦
بالعكس بأن كانت هذه الآية تصويرا للحالة النفسية التي يعيشانها في مواجهة الموقف ، لتكون الآية الأخرى تقريرا للموقف في طبيعته ، فتكون المسألة هنا مسألة اختلاف في الأسلوب . وقد أجاب بعضهم بأن خوفهما في تلك الآية على نفسيهما ، وفي هذه الآية على الدعوة ، أو على قومهما ، وهو غير ظاهر ، لأن الظاهر أن الموقف واحد في الآيتين . واللّه العالم .

الله يشدد عزم موسى عليه السّلام وهارون

ونلاحظ في هذه الآية نقاط الضعف البشرى التي يعيشها النبي والتي تتحرك في شخصيته بشكل طبيعي ، حتى في مقام حمل الرسالة ، فيتدخل اللطف الإلهي من أجل أن يمنحه القوة الروحية التي تفتح قلبه ، بعمق ، على التأييد الإلهي في أوقات الشدة ، الأمر الذي يعطي الفكرة بأن النبي يتكامل في وعيه وقوته وحركته في الرسالة .
قالَ لا تَخافا إِنَّنِي مَعَكُما أَسْمَعُ وَأَرى
فإنكما لا تحملان رسالة عادية تبلغانها بالطرق العادية المألوفة لتواجها الموقف بهذه الطريقة ، بل إنكما تحملان رسالة اللّه الذي يملك الأمر كله ، ويحيط بالموقف كله ، فلا يعجزه شيء ، ولا يغيب عنه شيء . فلا تتعاملا مع المسألة من زاوية المعطى المادي فقط ، بل انظرا إلى إيمانكما في العمق لتنفتحا على الله سبحانه في حضوره الشامل الذي يوحي بالثقة والاطمئنان إليه ، ولا تكترثا للقوة البشرية الطاغية مهما علا شأنها . لا تخافا من فرعون وجبروته لأنكما تؤمنان باللّه ، وتحملان رسالته ، وتعيشان رعايته وعنايته فأنتما مستندان إلى قوة اللّه ، فلا تخافا إنني معكما ، كأقوى ما يكون الحضور ، أسمع وأرى ، كأفضل ما يكون السماع الذي لا يغيب عنه شيء ، وكأوضح ما تكون الرؤية التي لن يحجبها شيء .
فَأْتِياهُ فَقُولا إِنَّا رَسُولا رَبِّكَ
أعلنا صفتكما ليكون لكما قوة التأثير عليه ،
من وحي القرآن — صفحة 116 | السيد محمد حسين فضل الله