الحق أو من ممارسته ، يشجع المنحرفين على الامتداد في خط الانحراف ، ويمنع المؤمنين من الانطلاق بقوّة في خط الإيمان ، ولذا كان القيام يمثل حركة المسؤولية في إيمانهم ، سواء كان قيامهم بين يدي ملك زمانهم دقيانوس الجبار - كما يقول بعض المفسرين - الذي يحتمل أنهم كانوا في مجلسه ، أو كان قيامهم في مجتمعهم الذي يعبد الأوثان ، ويصدر عنه الأمر بالسير على هذا المنهج ، ويجبر الناس على ذلك . . . فكان قيامهم بالإعلان عن رفضهم لكل الواقع الفكري والعبادي الذي يعيشون فيه ، والدعوة إلى اللَّه بدلا من ذلك .
وربما كان المقصود - وهو الأقرب إلى جو الآية - قيامهم للَّه ونصرة الحق ، من دون نظر إلى المكان ، أو إلى الشخص .
فَقالُوا رَبُّنا رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ
قالوا هذه الكلمة ، ليؤكدوا الحقيقة الإيمانية التي تضع الإنسان في الدائرة الكونية الواسعة التي تشمل السّموات والأرض وما فيهن وما بينهن ، فهو جزء من هذا العالم الرحب المخلوق للَّه ، فلا يختص بربّ معين ليعبده من دونه ، أو ليشركه بعبادته . ولذلك لم يكتفوا بالإعلان عن هذه الحقيقة ، بل أعلنوا الرفض لفكرة كل الآلهة المدّعاة ، في شكل بشر ، أو حجر ، أو أيّ شيء آخر . . .
لَنْ نَدْعُوَا مِنْ دُونِهِ إِلهاً
لأن ذلك لا يمثل أيّ موقع للحق ، بل هو الباطل في أكثر من صورة ،
لَقَدْ قُلْنا إِذاً شَطَطاً
لو قلنا بما يقوله هؤلاء المشركون ، لكنا - بذلك - نخرج عن الحدّ المعقول للفكر ، ونتجاوز عن الحق - وهذا هو معنى الشطط - .
توهّم وجود آلهة غير اللَّه
هؤُلاءِ قَوْمُنَا اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً
نتيجة ما توهموه من خلال أجواء