وإذا كان الأساس في عذاب الكافرين وبعدهم عن ساحة رحمة اللَّه ، هو تفضيلهم الدنيا على الآخرة ، وصدهم عن سبيل اللَّه ، وسيرهم في خط الاعوجاج ، فإن المسألة قد تطال غير الكافرين من المسلمين الذين قد يعيشون الإسلام في أفكارهم ، كحالة ثقافية ، ولكنهم يعيشون الكفر في خطهم العملي ، في ما تمثله من قيم سلبية تسيء إلى مسيرة الإيمان والطاعة والالتزام .
وَما أَرْسَلْنا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ
، ليفهموا دعوته ، ويعوا رسالته من خلال المعرفة بها ، بوصفهم القاعدة الأولى التي ينطلق منها ويعمل من خلالها على تأسيس مرتكز صلب للحركة ، بهدف الامتداد إلى حياة الآخرين . وهذا هو سبب نزول كل كتاب بلغة النبي المرسل ، ولغة قومه ، ليبين لهم الرسالة باللغة التي يعرفونها والطريقة التي يفهمونها ، وليقيم عليهم الحجة ،
فَيُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشاءُ
من موقع اختياره للضلال بابتعاده عن خط الهدى
وَيَهْدِي مَنْ يَشاءُ
باختياره سبيل الهدى على خط المعرفة التي تفتح القلوب على اللَّه ، والعقول على الحق في رسالته
وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ
الذي انطلقت عزته من مواقع قدرته وأحاطت حكمته بمواقع علمه .