تخطي إلى المحتوى الرئيسي

من وحي القرآن — صفحة 300

مساهمون:

ص٣٠٠
الانسجام بين الحكم الشرعي النازل ونمو الناس الفكري والروحي على هدى الإسلام ، وكان ذاك التدرج ، يستعمل في بعض الحالات أسلوب التغيير والتبديل في الأحكام ، تبعا لبعض المصالح التي يقتضي تحقيقها مراعاة الزمان والمكان ، بحيث تطلق مقيدة بتلك الحدود وتتغير بتغير المصالح التي اقتضتها ، إلى أن يلد حكم جديد ثابت لمصلحة دائمة ، وقد يتمثل ذلك بالآية التي يمكن أن ينسخ مضمونها آية قرآنية أخرى كما يرى البعض من نسخ الأحكام في القرآن ، أو بالحديث النبوي ، على أساس النظرية التي تنكر النسخ في القرآن ، وتقرّه في السنة . وكان الكفار من قريش ، يلاحقون ما يعتبرونه نقاط ضعف في حركة الدعوة على مستوى التنزيل والتشريع ، ليواجهوا النبي بها ويسقطوا موقعه النبوي في أذهان الناس ، لذا فقد رأوا في التبديل في مضمون الآيات أو الأحكام ، شاهدا على الافتراء على اللَّه لأنه لا يمكن أن يبدّل اللَّه كلامه ، أو يغير أحكامه ، وذلك لأنهم لا يفهمون معنى التوقيت في المصلحة التي تكون أساسا للحكم ، مما يفرض التبدل الطبيعي عند انتهاء الوقت الذي اقتضاه ، والتبدل في هذا الإطار مسألة طبيعية بالنسبة للحكم الشرعي كما هو بالنسبة لأي موضوع آخر ، حيث لا يكون التبدل دليلا على التنافي والتناقض فيه ، ليكون بالتالي دليلا على الافتراء - كما يزعمون - وهذا ما أثارته الآية في قوله تعالى :
وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ
فهو الذي يعلم المصالح الكامنة في الأشياء ، ويعرف حدودها ، مما لا يعلم البشر الكثير منه ، أو لا يعلم الأكثر منهم ، وجه المصلحة فيه . ويتابع القرآن الإيحاء بالإرادة الإلهية ، في ما ينزله على أساس حكمته التي لا تنحرف ولا تهتز
قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ
، فقد اقتضت حكمته أن تنزل آيات القرآن على سبيل التدريج ، كما توحي كلمة التنزل التي تتضمن معنى التدرج مقابل كلمة الإنزال التي تنسجم مع الدفعة ، وذلك بواسطة روح القدس كما ورد في هذه الآية أو الروح الأمين كما ورد في آية أخرى .