ولكن هذا الحديث لا يمثل مجرد كلام عن الجانب المادي من هذه النعم ، بل هو حديث عن الجانب الإيحائي الذي يحويه اتصال النعمة باللَّه من معنى توحيدي يبعد الإنسان عن حالة الشرك ، على أساس أن التوحيد هو الحقّ ، وأن الشرك هو الباطل ، وأن الانسجام مع الحق يمثل الشكر العملي للنعمة ، وأن الانفصال عنه والارتباط بالباطل يمثل الكفر الواقعي بالنعمة .
أَ فَبِالْباطِلِ يُؤْمِنُونَ
في ما يؤمنون به من شرك في العقيدة وفي العبادة
وَبِنِعْمَتِ اللَّهِ هُمْ يَكْفُرُونَ
أي ويكفرون بتوحيد اللَّه ، وهو يمثل الكفر بنعمة اللَّه ، بشكل غير مباشر
وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ ما لا يَمْلِكُ لَهُمْ رِزْقاً مِنَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ شَيْئاً
لأنه لا يملك أن يرزق نفسه ، بعدم امتلاكه أيّ أساس من القوّة الذاتية ، ويتركون عبادة اللَّه الذي يملك الوجود كله ، كما يملك الرزق كله لما يتحرك فيه الوجود من موجودات
وَلا يَسْتَطِيعُونَ
أي لا قدرة لهم بالفعل ، لما تمثله الاستطاعة من معنى القدرة الفعلية المباشرة . . وإذا كان هؤلاء عاجزين عن تقديم أيّ شيء لهم ، فكيف يعطونهم ما يقدمونه للَّه من العبادة !
النهي عن ضرب الأمثال لله
فَلا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الْأَمْثالَ
وذلك بأن تجعلوا له الأشباه والنظائر من بين خلقه ، من خلال ما تسبغونه عليها من صفات إلهيّة لا تملكها ، لتبرّروا عبادتها وتقديسها ، بعيدا عن اللَّه - سبحانه -
إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ
ولا تأخذون بأسباب العلم مما ألهمكم اللَّه من فكر ، لو أخذتم به واستنطقتموه لهداكم إلى الحقيقة ، أو مما أوحى به اللَّه إلى رسله ، وأنزله في كتبه . . فلو استمعتم إليه وفكرتم فيه ، لقادكم إلى الإيمان من أقرب طريق .