ومفاهيم ، واتخذوه من مواقف ، وأقاموه من علاقات ، جعلت حياتهم تتحرك في المواقع الثابتة ، وفي الطريق المستقيم ، ومنحتهم بالتالي وضوح الرؤية وسلامة التفكير في النظر إلى الأمور وإلى حركة الناس ، وأصبحوا بذلك في موقع الحكم الذي يزن الأمور ، ليطلق الحكم العدل والكلمة الصحيحة ،
قالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ إِنَّ الْخِزْيَ الْيَوْمَ وَالسُّوءَ عَلَى الْكافِرِينَ
لأنهم لم يكفروا من حالة شك في حقيقة العقيدة في حسابات الحق والباطل ، ولكنهم كفروا من حالة عناد وتمرّد ، بعد أن قامت عليهم الحجة من اللَّه ، ولذلك فإنهم يواجهون الخزي في الموقف ، في ما يلاقونه من العار كما يواجهون السوء - وهو العذاب - في ما يواجهونه من عذاب النار
الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظالِمِي أَنْفُسِهِمْ
بما أخذوا به من أسباب الكفر والضلال ، ولم يتراجعوا عنه حتى جاءهم الموت وهم كافرون ، فواجهوا حساب المسؤولية ،
فَأَلْقَوُا السَّلَمَ ما كُنَّا نَعْمَلُ مِنْ سُوءٍ
فاستسلموا للموقف ، لأنهم لا يملكون أمام ذلك أيّة قوّة ، وأيّ مهرب ، محاولين سلوك منطق المكابرة ، وإنكار كل تاريخهم في الكفر والضلال والعصيان ، من موقع الدفاع الغريزي عن النفس ، ظنا منهم بأن الإنكار ينفعهم في الآخرة ، كما كان ينفعهم في الدنيا ، حيث كانوا في مواجهة أعمالهم السيئة يخدعون المسؤولين عن حسابهم بالتلاعب بالألفاظ واستخدام الأساليب الملتوية في التهرب من المسؤولية ، وادعاء البراءة ، فيتركون دون عقاب . ولكن الموقف هنا يختلف تماما عن الموقف في الدنيا ، لأن الحاكم الذي يتولى مهمّة الحساب هو اللَّه الذي
يَعْلَمُ خائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَما تُخْفِي الصُّدُورُ
[ غافر : 19 ] . ولهذا ، يأتيهم الرد حاسما في الرفض لهذا المنطق الكاذب
بَلى إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ
فهل تملكون دفاعا أمام اللَّه ؟ وهل تملكون الكلمة القوية التي تبرّر لكم ذلك كله ؟ فلا بد لكم من مواجهة المصير المحتوم
فَادْخُلُوا أَبْوابَ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها فَلَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ
الذين يمثلون الخط الذي يتمرد على الحق ، وهو يعرفه ، وينحرف عن الخط المستقيم ، وهو يراه .
وبذلك كان هذا الخط يتحرك في اتجاه كل كفر وشرك وظلم وبغي وضلال .