تخطي إلى المحتوى الرئيسي

من وحي القرآن — صفحة 209

مساهمون:

ص٢٠٩
يميزه عن غيره من البشر ، كما يتميز الملك عن البشر في خلقه وارتفاع مقامه في رحاب السماء ، ولذلك فلا مجال للتفكير بما يطرح ، وللحوار معه ، لأن المسألة مسألة شخصية الرسول ، لا شخصية الرسالة ، ومستوى الموقع لا مستوى الفكر ، خاصة إذا كان الرسول فقيرا أو يتيما أو غير منتم إلى الطبقات العليا في المجتمع ، فإن ذلك يحسم مسألة الرفض لكل ما عنده ، دون سؤال
وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ
في تفكيرهم الذي يتحرك من موقع فوقي يمنعهم من احترام فكر الآخرين ، وفي مشاعرهم ، التي تتحكم فيها عقدة الكبرياء وتمنع عنها التفاعل بمحبة مع مشاعر الآخرين . وبذلك لا يكون الاستكبار حالة اجتماعية منحرفة ، بل يتحول إلى نوع من الانحراف الثقافي والعقيدي والروحي ، الناشئ من الإصرار على الرأي الخاطئ تحت تأثير الحالة النفسية المعقّدة . ولكنهم يحاولون أن يغطّوا هذه الحالة السلبية المعقّدة فيهم والإيحاء بأن رفضهم للعقيدة الجديدة أو للرسول ، ينطلق من موقف فكري حقيقيّ ، موضوعه اختلاف المفاهيم الفكرية التي يحملونها عن قناعة عما تطرحه دعوة الرسول من قضايا ومفاهيم ، لإكساب معارضتهم نوعا من الاحترام أمام جماعاتهم ، كي لا تتحول إلى موقف عناد وتمرّد دون أساس . ولكن اللَّه يفضح المسألة كلها ، لأنه يعلم خفايا الأشياء كما يعلم ظواهرها
لا جَرَمَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما يُسِرُّونَ وَما يُعْلِنُونَ
فلا يمكنهم إخفاء حقيقة الموقف عنه ، لأن علمه ينفذ إلى ما يفكرون ، حتى يطلع على وساوس الصدور وخائنة الأعين ، الأمر الذي يفقدهم محبة اللَّه ، لاطلاعه على طبيعة الكبرياء المعقّدة في مواقفهم
إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْتَكْبِرِينَ
لأن الاستكبار لا يمثل موقف انفتاح إنسانيّ ، بل يمثل حالة انغلاق معقّد شيطانيّ مرفوض من اللَّه ورسالاته ، لأنه يقهر إنسانية المستضعفين من الناس ، وينحرف بالتفكير إلى اتجاه مضاد للحقيقة ، ويحوّل الحياة - من حوله - إلى ما يشبه الجحيم .