على استنفاد كل التجارب ، لينتظر الفرج الكبير من خلالها ، أو من خلال الغيب ، فلا يستسلم لليأس عندما تحاصره عناصره من كل جهة .
وبهذا يبقى للمؤمن في حياته ، عين على الواقع حيث يخوض التجربة ، وعين على الغيب متفائلا بالأمل الكبير القادم من غيب اللَّه . وهكذا كان جواب الملائكة لزوجة إبراهيم ، للإيحاء بذلك كله :
قالُوا أَ تَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ
وهو الذي يفعل ما يشاء ويحكم بما يريد ،
رَحْمَتُ اللَّهِ وَبَرَكاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ
في ما أفاض عليهم من نعمه وألطافه السالفة ، وفي ما يفيضه عليكم في الحاضر والمستقبل . وإذا انطلقت رحمة اللَّه وبركاته في حياة الإنسان ، فإنها تفتح له كل الأبواب ، وتيسّر له كل عسر ، وتأتي إليه بالعجائب على أكثر من صعيد ،
إِنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ
فله المحامد كلها في ذاته ، وفي ما يرحم به عباده ، وله المجد كله ، في ما يملكه من قدرة ، وفي ما يتّصف به من عظمة .
إبراهيم عليه السّلام يتشفع لقوم لوط
فَلَمَّا ذَهَبَ عَنْ إِبْراهِيمَ الرَّوْعُ وَجاءَتْهُ الْبُشْرى
فاطمأنّ إلى هؤلاء المحيطين به ، وشعر بالراحة لوجودهم معه ، فهم الملائكة المقرّبون إلى اللَّه الذين جاءوا إليه ببشارة الوليد المرتقب ، والحفيد المؤمّل ، ولذلك أخذ حرّيته في الحديث ، وبدأ يدافع عن قوم لوط ، ليصرف العذاب عنهم ، أملا في هدايتهم في المستقبل ، لينالوا رحمة اللَّه ، وذلك في ما حكاه اللَّه عنه :
يُجادِلُنا فِي قَوْمِ لُوطٍ
إما باعتباره حالا ماضية ، « أو بتقدير فعل ماض قبله وتقديره ، أخذ يجادلنا إلخ ، لأن الأصل في جواب « لما » أن يكون فعلا ماضيا » « 1 » ، كما في تفسير الميزان ،
إِنَّ إِبْراهِيمَ لَحَلِيمٌ
لا يحب المعاجلة في العقوبة والانتقام ،
هامش
( 1 ) تفسير الميزان ، ج : 10 ، ص : 314 .