تخطي إلى المحتوى الرئيسي

من وحي القرآن — صفحة 268

مساهمون:

ص٢٦٨
الإيمان باللَّه ، والثقة برحمته ، وإلهاما روحيا يتحسّس فيه الأمل الكبير بعودة يوسف إليه . أما الآن ، فإن انطلاقة الضوء قد عادت إلى عينيه ، والتماعة البشرى قد أشرقت في روحه ، فها هو البشير يحدّثه عن يوسف العزيز الذي رفع اللَّه مكانته فجعله حاكما يدير شؤون الدولة الاقتصادية ، وها هو يدعوه إليه ، ليحدثه عن رحلة العذاب الطويلة ، وعما أنعم اللَّه عليه ، من الإرادة القوية المنفتحة على الرسالة ، ومن الموقف الصلب أمام حالات الإغراء ، ومن حركة الدعوة في أجواء السجن وظلماته ، ومن سعة المعرفة في تأويل الأحلام ، وتحليل الأمور التي دفعت به إلى هذا الموقع الكبير . . . وهكذا سار يعقوب مع عياله وأولاده ، ليلتقي بالحلم الذي تحوّل إلى حقيقة ؛
فَلَمَّا دَخَلُوا عَلى يُوسُفَ آوى إِلَيْهِ أَبَوَيْهِ
وضمّهما إليه ، ليمسح دموعهما ، ويخفف حزنهما ،
وَقالَ ادْخُلُوا مِصْرَ إِنْ شاءَ اللَّهُ آمِنِينَ
أي أقيموا فيها وامكثوا طويلا دون أن يعكر صفوكم أحد ، فلكم مطلق الحرية في أن تتحركوا كما تشاءون دون خوف ولا وجل . . . وقد جاء في مجمع البيان : « وإنما قال لهم : آمنين لأنهم كانوا في ما خلا يخافون ملوك مصر ، ولا يدخلونها إلا بجوازهم » . « 1 »
وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ
وهو السرير الذي يمثل موقع المسؤولية التي كان يشغلها في البلاد ،
وَخَرُّوا لَهُ سُجَّداً
وكان المتعارف لديهم تماما كما يمثل الانحناء لونا من ألوان التحية لدى بعض الشعوب ، ولا يمكن اعتبار ذلك منافيا لتوحيد اللَّه في العبادة ، لأن السجود العبادي هو ما يعيش الإنسان فيه معنى العبودية بأن يقصد من خلاله التعبير عن الخضوع المطلق .
وَقالَ يا أَبَتِ هذا تَأْوِيلُ رُءْيايَ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَعَلَها رَبِّي حَقًّا
أي رؤياه التي كان قد قصها على أبيه في أوّل السورة في قوله :
يا أَبَتِ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَباً وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي ساجِدِينَ
. .
هامش
( 1 ) مجمع البيان ، ج : 5 ، ص : 405 .
من وحي القرآن — صفحة 268 | السيد محمد حسين فضل الله