إنها لون من ألوان الغيب الداخلي في عالم النفس الذي لم نستطع أن نبلغ فيه المدى الواسع من آفاقه لأننا لم نعرف طريقة النفس ، أو الروح ، في إدراكها للمستقبل مما يدخل في عالم النبوءات من خلال الفكر أو الإلهام ، أو من خلال الأحلام ، وربما يكشف اللَّه للإنسان في المستقبل بعض الوسائل التي تقوده إلى معرفة بعض حقائقه بطريقة أو بأخرى .
ولكنّ ذلك كله لا يمنع الإنسان من محاولة استيحاء رموز ودلائل أحلام الآخرين خاصة ما يمكن أن يفتح قلبه على آفاق الإيمان ، أو يدفعه إلى تصحيح خطأ من الأخطاء ، أو يمنعه من السير في طريق منحرف ، فإن ذلك يعتبر أسلوبا من أساليب التوعية ، ووسيلة من وسائل الهداية ، وهذا ما ينبغي أن يستفيد الدعاة إلى اللَّه منه لدى سماع ما يرويه الآخرون من أحلامهم ، لأن الأحلام باب واسع من أبواب الدعوة .
تفسير الرؤيا
وهكذا أراد الملك من خاصته ، أن يفسّروا له رؤياه ، إذا كانوا ممن يملكون هذه المعرفة ، ولكنهم لم يهتدوا إلى ذلك سبيلا ،
قالُوا أَضْغاثُ أَحْلامٍ
وتشبيه هذه الرؤيا بالأضغاث ، يعود لكونها تمثّل مجموعة من الأشياء المتفرقة في طبيعتها والتي تختلط فيها الرؤية ، فقد تجذبك واحدة إلى جهة ، بينما تجذبك الأخرى إلى جهة ثانية ، وهكذا لا تستطيع - من خلال ذلك - أن تحكم على أيّ وجه من وجوه الواقع ، تماما كما هي قبضة الحشيش أو الرياحين أو القضبان ، التي لا يقف من خلالها الإنسان على حقيقة ، أو يعرف منها بعضا من الواقع . وهذا ما أرادوا أن يوحوا به إلى الملك ، كتعبير عن طبيعة هذا الحلم غير المفهوم ، أو كتعبير عن مستوى ثقافتهم الذاتية في تفسير الأحلام كما يوحي به قوله تعالى :
وَما نَحْنُ بِتَأْوِيلِ الْأَحْلامِ بِعالِمِينَ
لنفسّر لك