تخطي إلى المحتوى الرئيسي

من وحي القرآن — صفحة 175

مساهمون:

ص١٧٥
ووافق يعقوب على ما طلبوه منه ، وأرسل يوسف معهم ، فنجحوا في الخطوة الأولى من خطتهم المرسومة .
فَلَمَّا ذَهَبُوا بِهِ وَأَجْمَعُوا أَنْ يَجْعَلُوهُ فِي غَيابَتِ الْجُبِّ
واتفقوا على تنفيذ المؤامرة ، فتعاونوا على شدّ وثاقه ، في فظاظة وغلظة لم تأبه لتوسلات يوسف المستغيثة بوداعة ، بحثا عن أمل في الانفلات منهم ، ولكن عبثا يحاول ، فأنزلوه إلى أعماق البئر وتركوه هناك ، وتمّ لهم ما أرادوه ، وقد أراد اللَّه ليعقوب أن يوحي إليهم بما فعلوه بالرمز والإشارة في أسلوب من الاتهام الخفيّ الذي يحسّ به المتهم من خلال كلمة أو همسة أو نظرة ،
وَأَوْحَيْنا إِلَيْهِ لَتُنَبِّئَنَّهُمْ بِأَمْرِهِمْ هذا وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ
بطريقة خفيّة موحية ، وهذا ما فعله يعقوب في ما نراه من ختام هذا الفصل .

دموع التماسيح

وَجاؤُ أَباهُمْ عِشاءً يَبْكُونَ
ويعلو الصراخ بشكل يوحي بالفاجعة في عملية إثارة الشعور بالذنب على طريقة دموع التماسيح التي لا تتحرك من الأعماق ، بل تبقى في دائرة الشكل ،
قالُوا يا أَبانا إِنَّا ذَهَبْنا نَسْتَبِقُ
في سباق عنيف يغفل الإنسان فيه عن نفسه وعمن حوله ، ولم يكن من الممكن ليوسف أن يستبق معنا لصغر سنه وضعف جسمه ،
وَتَرَكْنا يُوسُفَ عِنْدَ مَتاعِنا
ليقوم بحراسته ، وابتعدنا عنه في تراكضنا نحو الهدف ، فاستغل الذئب هذه الفرصة ، فلم يجد عنده أحدا ، ولم يملك أن يدافع عن نفسه ،
فَأَكَلَهُ الذِّئْبُ
وتلك هي الحقيقة الصارخة التي عشناها بكل ما يختزنه الإنسان من قساوة الألم ، وعنف الحزن ، وفداحة الخسارة . . . ولا نملك ما نؤكّد به لك هذه الحقيقة
وَما أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنا
لأن الشك يغلب جانب ثقتك بنا ، مع أن الأمر محتمل جدا ، لكثرة ما تقع فيه أمثال هذه الحوادث ، وقد كنت أوّل من أثار المسألة أمامنا على أساس الاحتمال الذي استبعدناه واستقربته ، ولكن ، ماذا نقول لك