ولا يبتعدون فيه إلى الحد الذي ينفصلون به عن القاعدة الثابتة . وهذا ما أكّده اللَّه في أكثر من آية حين اعتبر الاستقامة أساسا للشخصية الإسلامية ، كما أنها التزام بتوحيد للَّه في القاعدة ، ثم هي استقامة على هذا الخط في كل شيء ، فكل الحياة في مناهجها وأساليبها وعلاقاتها ترتبط به ، لأن الفكر والعمل ، يتحركان بين خط الشرك وبين خط التوحيد ، فلا مجال أمام الإنسان سوى اختيار أحدهما ، فمن انحرف عن خط التوحيد وجد نفسه في خط الشرك ، ولذلك كانت الاستقامة لا تعني للإنسان المسلم شيئا آخر سوى الالتزام بخط التوحيد في حركة الفكر والعمل .
من هنا جاءت دعوة اللَّه إلى النبيّ وإلى المؤمنين للاستقامة في قوله تعالى :
فَاسْتَقِمْ كَما أُمِرْتَ وَمَنْ تابَ مَعَكَ
من المؤمنين الذين اتّبعوك وتركوا الشرك ، لأن ذلك يمثل معنى الإخلاص للَّه ، بالسير في خطّ رضاه ،
وَلا تَطْغَوْا
أي لا تتجاوزوا الحدود المرسومة لكم ، كما تجاوزها الآخرون ، في تحريف المفاهيم ، وتغيير الأفكار ، وإرباك الأهداف .
الرسول مكلف كسائر المؤمنين
ولعلّ في هذا الأمر الموجّه للنبي وللمؤمنين معا ، إيحاء بأن النبي لا يختلف عن المؤمنين في المسؤوليات التفصيلية لخط السير ، لأنه يتحرك في حياته ، بصفته المسلم الأوّل الذي لا بد أن يطبّق الإسلام على نفسه ، قبل أن يدعو إليه ، ليكون الداعية بالقدوة ، قبل أن يكون الداعية بالكلمة ، وبهذا يمكننا استيحاء الردّ على الذين يفرضون للنبيّ تكليفا غامضا يختلف عن تكليف بقية المسلمين ، فيرون أننا لا نستطيع اعتبار أيّ عمل يقوم به ، لا سيما في خط الجهاد ، لأنه أعرف بتكليفه الشرعي الذي قد لا نعرفه .