تخطي إلى المحتوى الرئيسي

من وحي القرآن — صفحة 354

مساهمون:

ص٣٥٤

فما آمن لموسى إلا ذرية من قومه

فَما آمَنَ لِمُوسى إِلَّا ذُرِّيَّةٌ مِنْ قَوْمِهِ
فلم يؤمن منهم إلا قليل ، ولكنهم لم يكونوا مطمئنين لمصيرهم ، وذلك من خلال الضغوط الصعبة التي يستطيع فرعون أن يمارسها ضدهم ، وبذلك كان إيمانهم
عَلى خَوْفٍ مِنْ فِرْعَوْنَ وَمَلَائِهِمْ أَنْ يَفْتِنَهُمْ
عن دينهم ، وذلك بالتأكيد على نقاط الضعف الكامنة في نفوسهم وفي حياتهم التي تبعث فيهم الاهتزاز في الموقف والانتماء .
وَإِنَّ فِرْعَوْنَ لَعالٍ فِي الْأَرْضِ
في ما يحاوله من السيطرة الغاشمة على المستضعفين ، والعمل على إذلالهم ، وتدمير شخصيتهم ، وسحق إرادتهم ، للإيحاء الدائم لهم بأنهم في المرتبة الدنيا ، وهو في المرتبة العليا
وَإِنَّهُ لَمِنَ الْمُسْرِفِينَ
الذين أسرفوا في التمرد والعصيان والطغيان والجحود والكفران ، حتى تجاوزوا كل الحدود . وأيّ إسراف أعظم من ادّعاء الربوبيّة .
وَقالَ مُوسى يا قَوْمِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ
في ما يوحيه الإيمان به من الإيمان بقدرته المطلقة التي لا تقف عند حدّ ، مما يعني الشعور بالأمن في ظله ، والاطمئنان لرعايته ولرحمته
فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا
واعتمدوا ، فلا تخافوا معه أحدا مهما كانت عظمته ، ومهما كان دوره
إِنْ كُنْتُمْ مُسْلِمِينَ
للَّه أمركم وحياتكم في كل شيء ، فذلك هو سبيل القوّة لمن أراد أن يعيش معنى القوّة في روحه وفكره وحياته ، ليواجه التحدي الكبير في ما يثيره أعداء اللَّه من تهاويل . وتجاوبوا مع هذا النداء ، فعاشوا الشعور بالقوّة في نطاق التوكل على اللَّه ، الذي يوحي بالأمن أمام احتمالات المستقبل ، فلا يخاف من أشباح الغيب الكامنة في الزمن الخفيّ ، ولا يشعر بالشلل من ذلك ، بل يجد في اللَّه ضمانة من كل خوف واهتزاز
فَقالُوا عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنا
فهو ثقتنا في كل شيء ، وهو الذي يكفي من كل شيء ولا يكفي منه شيء .
رَبَّنا لا تَجْعَلْنا فِتْنَةً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ