تخطي إلى المحتوى الرئيسي

من وحي القرآن — صفحة 295

مساهمون:

ص٢٩٥
فيتفاعل مع البذور المنتشرة فيها ، فيختلط بها في عمليّة نموّ وتفاعل ، فإذا به يتمثل نباتا
مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ
من حب الزرع وثمر الشجر
وَالْأَنْعامُ
كالحشائش وغيرها ، ويمتد هذا النبات حتى تزدهر به الأرض ،
حَتَّى إِذا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَها
في مظهرها الرائع وحسنها العجيب
وَازَّيَّنَتْ
بحلتها الخضراء الملوّنة القشيبة
وَظَنَّ أَهْلُها أَنَّهُمْ قادِرُونَ عَلَيْها
من خلال مظاهر الحياة المتنوعة في حركتها ، وقوّة سيطرتهم على أوضاعها وشؤونها الماديّة مما يوحي إليهم بالامتداد بعيدا في الاطمئنان والإخلاد إليها ، والاستسلام إلى ما يشبه الخلود فيها ، ولكنها الغفلة المطبقة التي تطبق على فكرهم وروحهم وحياتهم ، هي التي تساهم في إثارة أجواء التخييل والوهم الكبير ، فتبعدهم عن العمق الذي يعمّق لهم الفهم الواقعي للحياة ، ويعرّفهم طبيعة الفناء الكامنة في داخل كل ظاهرة من ظواهرها ، وكل ذرّة من ذرأت المادة فيها . وتستمر الغفلة حتى تأتي الصدمة ، التي تصدمهم بالواقع المفاجئ ، وتعيدهم إلى حقيقتهم الفانية ، وذلك ما أشار إليه اللَّه في قوله - سبحانه -
أَتاها أَمْرُنا لَيْلًا أَوْ نَهاراً فَجَعَلْناها حَصِيداً
يتطاير في الهواء فلا يبقى هناك أيّ شيء في الأرض ، فلا خضرة ، ولا جمال ، ولا حياة ، وإنما هو الموت المتمثل في هذا الجفاف الذي يأكل كل حيويّة في هذا الجو المعشب الملئ بالخضرة والحياة ، فيتحول إلى أوراق يابسة لا تملك إلّا أن تتحول إلى تراب خفيف تعبث به الريح الخفيفة والعاتية ، فيتطاير هنا وهناك ، ويذهب مع الريح في أجواء الفراغ والضياع ،
كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ
كأن لم يكن هناك شيء قد أقام وامتد وازدهر واخضرّ ، فقد زال كل شيء ولم يبق هناك حتى الذكرى ، وذلك هو المثل الحيّ الذي يوحي بالفكرة التي تثير في النفس المعنى الحيّ ، الذي يربط الإنسان بواقع الحياة والموت والدنيا والآخرة ، ليعرف موقع الحياة من مصيره ، فهي حركة في رحلة الوجود إلى الموت ، فلا مجال للاستسلام إليها في أوهام الخلود الخادع ، من خلال الأمل الكاذب .
كَذلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ