تخطي إلى المحتوى الرئيسي

من وحي القرآن — صفحة 278

مساهمون:

ص٢٧٨
مجالا للعذر ، أو يثير لديه الدوافع الخيّرة ، ليظهر كل ما عنده من نوازع وأفكار وآفاق نفسيّة ، لتكون الحياة ساحة تلتقي عليها التجربة الإنسانية بأوسع مداها وأقوى دوافعها ، فلا يبقى هناك مجال لتجربة جديدة يحاول أن يحتج بها الإنسان في تقصيره أو في انحرافه . وإذا كان الإنسان يستعجل في مواجهة حالات التمرّد لأنه يريد أن يستجيب لنداء الانفعال في نفسه ، ويخاف فوات الفرصة عنده ، فإن اللَّه لا يعجل ولا يخاف الفوت لأنه يدرك كل شيء ولا يفوته شيء ، لأن الحياة خاضعة له في مستقبلها ، كما هي خاضعة له في ماضيها وحاضرها .

الله لا يستجيب لعجلة الإنسان

وَلَوْ يُعَجِّلُ اللَّهُ لِلنَّاسِ الشَّرَّ اسْتِعْجالَهُمْ بِالْخَيْرِ
فيستجيب لهم في ما ينطلقون به من انفعال ، ويعاملهم بما يريدون
لَقُضِيَ إِلَيْهِمْ أَجَلُهُمْ
وأنفذ أمر اللَّه بهم ، لأن اللَّه لا يعجزه شيء في ما يريد ، ولكن اللَّه لا يفعل ذلك ، بل يتركهم لأنفسهم ولضلالتهم ليتحمّلوا مسؤولية عملهم ، وليواجهوا الموقف بطريقة حاسمة لا تدع لديهم مجالا للتبرير ولا للعذر
فَنَذَرُ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنا
ولا يؤمنون باليوم الآخر بل يستسلمون للحياة الدنيا ، ويستريحون إليها ، ويتمردون على كل قيم الخير والحق والعدل ، وندعهم
فِي طُغْيانِهِمْ
على الحق وأهله
يَعْمَهُونَ
أي يتحيرون أشدّ الحيرة ، لأنهم مهما أوحوا لأنفسهم بمنطق العذر ، فإنهم لا يشعرون بالأساس الوثيق الذي يرتكزون عليه ، بل يجدون - بدلا من ذلك - الاهتزاز في القناعات والمشاعر والمواقف ، وهكذا يعانون عذاب الحيرة والقلق ، قبل أن يعانوا عذاب اللَّه في الآخرة .
من وحي القرآن — صفحة 278 | السيد محمد حسين فضل الله